كعك العيد.. رحلة تاريخية ممتدة عبر الحضارة المصرية

ارتبطت الأعياد والمناسبات في مصر، عبر مختلف عصورها التاريخية، منذ الدولة المصرية القديمة وحتى العصور الإسلامية والحديثة، بالعديد من الأكلات والمشروبات التي تمثل عادات وتقاليد مصرية أصيلة. ويأتي في مقدمة هذه الأطعمة "كحك العيد"، الذي عرفه المصريون منذ أكثر من 5000 عام، حيث وثقته نقوش جدران المعابد والمقابر، ليظل حاضرًا بقوة في الوجدان الشعبي حتى يومنا هذا.

الكحك في مصر القديمة

عرف المصريون القدماء ما يزيد على 300 نوع من المخبوزات، تم تسجيلها على جدران المعابد والمقابر منذ عصر الدولة القديمة، وكانت ترتبط بالمناسبات والاحتفالات التي أطلقوا عليها اسم "حب"، أي العيد أو الاحتفال. ومن بين هذه المخبوزات برز "k3k"، الذي يعني العجين في اللغة المصرية القديمة، وتطورت الكلمة لاحقًا في اللغة القبطية إلى "kaak"، ثم انتقلت إلى العربية بصيغة "كعك"، ومنها إلى اللغات الأوروبية وعلى رأسها الإنجليزية "cake".

مشاهد صناعة الكعك على جدران المعابد

زُينت جدران المعابد والمقابر منذ عصر الدولة القديمة (2686–2181 ق.م) بمشاهد توضح مراحل صناعة الكعك، حيث صُورت النساء وهن يعجنّ العجين ويشكلنه على هيئة قرص الشمس المستدير، ويزينّ بخطوط مستقيمة تشبه أشعة الشمس. وكان الكعك يُقدم كقرابين في الأعياد.

كما سجلت مقبرة "تي"، أحد كبار الموظفين في الأسرة الخامسة، مشهدًا لامرأة تحمل الكعك فوق رأسها داخل سلة، في صورة قريبة من العادات الشعبية الحالية. 

ازدهار صناعة الكعك في الدولة الحديثة

شهدت صناعة الكعك ازدهارًا ملحوظًا خلال عصر الدولة الحديثة (1570–1077 ق.م)، حيث توضح نقوش مقبرة الوزير رخمي رع بالأقصر مكونات الكعك وطريقة إعداده، من عجن الدقيق بالماء، وتسويته على النار، وإضافة السمن والعسل والعجوة وبعض الفواكه.

كما تُظهر نقوش معبد هابو للملك رمسيس الثالث، ومعبد كوم إمبو بأسوان، مراحل إعداد الكعك وتسويته على ألواح "الصاج"، وهي طريقة لا تزال مستخدمة في بعض المناطق الشعبية حتى الآن، حيث كانت النساء يحملن الكعك على رؤوسهن للتوجه به إلى الأفران قبل الأعياد.

الكعك في العصور الإسلامية

استمرت عادة صناعة الكعك بعد دخول الإسلام إلى مصر، حيث حافظ المصريون على هذا التقليد في الأعياد. وشهد شكل الكعك بعض التغيرات، فبعد أن كان مرتبطًا برمز الشمس في مصر القديمة، أصبح يُنقش عليه عبارات مثل "كل وشكر"، و"كل هنيئًا واشكر"، و"كل وأشكر مولانا"، وهي عبارات تعكس الطابع الديني والاجتماعي للعصر.

إسرائيل تعلن اغتيال وزير مخابرات إيران في غارة بطهران

الكعك في العصر الطولوني والأخشيدي

في العصر الطولوني (868–905م) ثم العصر الأخشيدي (935–969م)، تطورت صناعة الكعك باستخدام قوالب مزخرفة تحمل عبارات مثل "بالشكر تدوم النعم". وبرز في تلك الفترة "كعك الوزير أبو بكر المادراني"، الذي كان يُخبأ بداخله دنانير ذهبية، ويُنقش عليه عبارة "افطن له"، في تقليد يعكس طابعًا اجتماعيًا فريدًا.

الكعك في العصر الفاطمي

حظي الكعك بمكانة خاصة في العصر الفاطمي، حيث أولى الخلفاء اهتمامًا كبيرًا بالأعياد والمظاهر الاحتفالية. فقد خصص الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ميزانية سنوية كبيرة لإعداد الطعام خلال شهر رمضان، وأُنشئت "دار الفطرة" لتوزيع الكعك حتى عيد الفطر.

كما كان يتم توزيع الكعك داخل القصور عبر موائد ضخمة، وبرزت أسماء صانعات شهيرات مثل "حافظة"، التي نُسب إليها نوع من الكعك عُرف باسم "كعك حافظة"، ولا تزال قوالبه محفوظة في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.

الكعك في العصر الأيوبي والمملوكي والعثماني

في عهد الدولة الأيوبية (1171–1250م)، جرت محاولات للحد من بعض العادات المرتبطة بالعصر الفاطمي، ومنها صناعة الكعك في الأعياد، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح، نظرًا لترسخ هذه العادة في وجدان المصريين.

وفي العصرين المملوكي (1261–1517م) والعثماني، استمرت العناية بصناعة الكعك، حيث كان يُوزع في "التكيات" و"الخانقات" على الفقراء وطلاب العلم، مما عزز من دوره الاجتماعي والإنساني.

يظل كعك العيد في مصر أكثر من مجرد طعام، فهو رمز حضاري يعكس استمرارية العادات والتقاليد عبر آلاف السنين، ويجسد ارتباط المصريين بهويتهم الثقافية، حيث حافظ على مكانته من جدران المعابد القديمة إلى موائد الأعياد الحديثة.

إسرائيل تعلن اغتيال وزير مخابرات إيران في غارة بطهران