في ليلة الرابع عشر من يونيو 2026، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في بيان رسمي غير معتاد في توقيته ولهجته، التوصلَ إلى "مذكرة تفاهم" مع الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب التي اندلعت مطلع العام، وامتدت لتشمل جبهات متعددة أبرزها مضيق هرمز والساحة اللبنانية. وبعد ساعات قليلة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جهته "إنهاء حرب إيران"، معلناً ما وصفه بأنه انتصار دبلوماسي تاريخي.

لكن وراء هذه الإعلانات المتقابلة، ثمة اتفاق مركّب تتشابك بنوده وتتناقض القراءات حوله. فما الذي تضمنه فعلاً؟ وما الذي بقي في دائرة الغموض؟

أولاً: كيف وصلنا إلى هنا؟

اندلعت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران في مطلع عام 2026، بعد تصاعد التوترات حول مضيق هرمز وإسقاط إيران لمروحية أمريكية قرب المضيق. ردّت الولايات المتحدة بضربات استهدفت منظومات الدفاع الجوي ومواقع الرادار الإيرانية، فيما امتد التوتر إلى لبنان والبحر الأحمر.

وخلال الأشهر التالية، تحوّلت باكستان إلى قناة الوساطة الرئيسية بين البلدين، حتى باتت المفاوضات تُعرف رسمياً بـ"مفاوضات إسلام آباد". وجاء التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم في التاسع عشر من يونيو بمدينة جنيف السويسرية، بحضور نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس.

ثانياً: ماذا تضمّن الاتفاق؟ البنود المُعلنة

1. وقف الحرب على كافة الجبهات

نصّ الاتفاق على وقف فوري وشامل للعمليات العسكرية بين الطرفين على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية. وهو البند الذي أعلنه الطرفان بوضوح، وإن جاء التطبيق مشروطاً بتنفيذ الالتزامات المتقابلة.

2. إعادة فتح مضيق هرمز

تنص المذكرة على فتح فوري لمضيق هرمز أمام حركة السفن دون فرض رسوم عبور، والعودة إلى مستويات الشحن ما قبل الحرب في غضون ثلاثين يوماً، في مقابل رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية. وستتم إدارة المضيق خلال المرحلة المقبلة بالتنسيق مع سلطنة عُمان.

3. الأموال الإيرانية المجمّدة

تتضمن المسودة الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمّدة، على أن يُتاح نصف هذا المبلغ قبل انطلاق المفاوضات النهائية كبادرة حسن نية. وقد أكد نائب الرئيس فانس أن الأموال مشروطة بوفاء إيران بالتزاماتها، نافياً أن يكون الإفراج عنها مقابل التوقيع فحسب.

4. تخفيف العقوبات تدريجياً

ارتبط تخفيف العقوبات النفطية والاقتصادية بالتزام إيران ببنود المرحلة الأولى وإبدائها "حسن نية" خلال المفاوضات اللاحقة. كما التزمت واشنطن بعدم فرض عقوبات جديدة أو تعزيز قواتها في المنطقة خلال فترة التفاوض.

5. مفاوضات نووية لمدة 60 يوماً

تفتح المذكرة الباب أمام مفاوضات نووية تمتد ستين يوماً، يقتصر جدول أعمالها —وفق ما أعلنه الجانب الإيراني— على قضايا التخصيب والمواد النووية والعقوبات وإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني. وقد أكدت وكالة "إرنا" الرسمية أن المذكرة لا تُشكّل اتفاقاً نهائياً حول الملف النووي ولا تفرض على إيران التزامات نووية إضافية.

6. آلية رقابية واعتماد دولي

نصّت البنود على إنشاء آلية رقابية لتنفيذ الاتفاق، وعلى ضرورة اعتماد أي اتفاق نهائي عبر قرار من مجلس الأمن الدولي قبل دخوله حيز التنفيذ الكامل.

ثالثاً: ما الذي استُبعد من الاتفاق؟

ربما يكون هذا هو الجانب الأكثر دلالة في المذكرة. أكدت وكالة "مهر" الإيرانية أن ملفَّين حساسَّين جرى استبعادهما "نهائياً" من جدول المفاوضات:

البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني: ظل بمنأى تام عن أي نقاش، وهو ما طالبت به طهران باستمرار.

دعم إيران لجماعات المقاومة في المنطقة: لم يُدرج في جدول الأعمال، مما يعني أن النفوذ الإيراني الإقليمي بقي دون مساس رسمي في هذا الاتفاق.

رابعاً: نقاط الخلاف والغموض

الروايات المتناقضة

ثمة تباين واضح بين الرواية الأمريكية والإيرانية حول بعض البنود. فبينما تؤكد طهران أن إدارة مضيق هرمز ستبقى شأناً إيرانياً سيادياً يُناقش إقليمياً مع دول المنطقة، تُركّز واشنطن على الفتح الفوري وضمان حرية الملاحة.

الموقف الإسرائيلي: عقدة التنفيذ

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحةً أن قوات بلاده لن تنسحب من جنوب لبنان بموجب الاتفاق، وهو موقف أبلغه نتنياهو لترامب شخصياً. وذهب أبعد من ذلك وزير الأمن القومي اليميني إيتمار بن غفير، إذ أعلن أن "اتفاق ترامب لا يُلزمنا وإسرائيل ليست شريكاً فيه". هذا الموقف يجعل البند المتعلق بالساحة اللبنانية في مهب الريح.

التهديد الأمريكي المزدوج

لافت أن ترامب أعلن الاتفاق وفي الوقت نفسه هدّد بالعودة إلى العمليات العسكرية إذا أخفقت المفاوضات النووية خلال الستين يوماً. وهي رسالة تحمل دلالتين: الأولى، أن الاتفاق مرحلي وهش. والثانية، أن ترامب يريد ورقة ضغط في مفاوضات الفترة القادمة.

خامساً: ماذا يعني الاتفاق في السياق الأشمل؟

ثلاثة تحولات جوهرية يُرسيها هذا الاتفاق إن نجح:

أولاً — عودة الدبلوماسية الأمريكية المباشرة مع إيران بعد سنوات من الانسحابات والعقوبات والاشتراطات. الاتفاق يُقرّ ضمنياً بأن المسار العسكري لم يُحقق أهدافه الكاملة.

ثانياً — صعود دور الوساطة الإقليمية وتحديداً باكستان وعُمان وقطر، في إشارة إلى تحولات في خريطة الفاعلين الدبلوماسيين في المنطقة.

ثالثاً — ملف النووي باقٍ ومحوري والستون يوماً المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي. فإذا فشلت مفاوضات جنيف، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام مواجهة جديدة أشد حدة.

سادساً: مصر في قلب المشهد

لم تكن مصر مجرد متفرج على هذا الملف. أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً بنظيره المصري الدكتور بدر عبد العاطي اليوم، أعرب فيه عن تقديره لـ"الجهود الحثيثة التي بذلتها مصر وقيادتها على مدار الأشهر الأخيرة، من خلال اتصالات على أعلى مستوى لجسر الفجوات خلال المفاوضات وتجاوز التحديات".

والأهم أن عراقجي أعلن صراحةً تعويل طهران على "مواصلة مصر القيام بدور بنّاء في دعم الاتفاق وضمان استدامته والعمل على تنفيذه تمهيداً للتوصل لاتفاق نهائي بين الطرفين". وقد سبق ذلك تنسيق مصري-باكستاني مكثف، إذ أجرى عبد العاطي اتصالاً مع نظيره الباكستاني الجمعة الماضية لمتابعة مسار المفاوضات.

هذا الدور يعكس معادلة دبلوماسية مصرية دقيقة: القاهرة، التي تربطها علاقات وثيقة بواشنطن والرياض وفي نفس الوقت أعادت تطبيع علاقاتها مع طهران في السنوات الأخيرة، تجد نفسها في موقع وسيط ذي مصداقية لدى الطرفين. واللافت أن طهران تحديداً هي من أعلن هذا الدور المصري وطلبت استمراره — وهو مؤشر على حجم الثقة التي بنتها القاهرة في هذا الملف.

خلاصة: هل هو اتفاق تاريخي أم هدنة مؤقتة؟

مذكرة إسلام آباد ليست سلاماً شاملاً، وهي تختلف جذرياً عن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 في نطاقها ومتانتها المؤسسية. إنها في جوهرها هدنة هيكلية تمنح الطرفين فرصة لاستعادة الأنفاس، وتفتح نافذة لتسوية أشمل.

النجاح الحقيقي للاتفاق رهين بثلاثة شروط: التزام إسرائيل بالبنود المتعلقة بلبنان، وإيفاء إيران بالتزاماتها المتعلقة بهرمز والملف النووي، ووجود إرادة أمريكية فعلية لاستكمال المسار التفاوضي بدلاً من العودة إلى التصعيد. وهي شروط تبدو اليوم، في أحسن الأحوال، ممكنة لكن غير مضمونة