لم يعد التحدي المائي في حوض النيل مقتصرًا على كيفية اقتسام مورد طبيعي بين دول تتباين احتياجاتها التنموية، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن تحويل المصالح المتعارضة إلى مشروعات مشتركة، من دون أن تتحول التنمية في دولة إلى مصدر قلق لدولة أخرى؟

هذا السؤال يضع التعاون الإقليمي أمام اختبار عملي، تتجاوز حدوده بيانات النوايا والاتفاق على أهمية الحوار، لتصل إلى تبادل المعلومات، وتقييم آثار المشروعات، وبناء الثقة، وتوفير التمويل، ووضع آليات تتيح للدول الاستفادة من الموارد المشتركة مع مراعاة مصالح بعضها بعضًا.

وفي كلمته خلال افتتاح الدورة التاسعة لأسبوع القاهرة للمياه، أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي طرح هذه المعادلة، مؤكدًا أن المياه ينبغي أن تكون حافزًا للسلام والازدهار المشترك، وأن حق دول حوض النيل في التنمية يجب أن يقترن بمسؤولية عدم الإضرار بالدول الأخرى أو المساس بأمنها المائي.

لكن تحويل هذا المبدأ إلى واقع يظل مرهونًا بقدرة الأطراف على الاتفاق على قواعد وإجراءات قابلة للتطبيق، خصوصًا في ظل اختلاف رؤاها بشأن إدارة الموارد المائية والمشروعات المقامة عليها.

التعاون المائي.. من التصريحات إلى آليات التنفيذ

تكتسب الدعوة إلى التعاون أهمية خاصة لأن الخلافات حول المياه لا تُحل بمجرد التأكيد على المصالح المشتركة. فالمشروعات المقامة على الأنهار العابرة للحدود تحتاج إلى معلومات فنية موثوقة، وتقديرات لآثارها المحتملة، وتبادل للبيانات، وقنوات للتشاور، وآليات للتعامل مع المخاطر عند ظهورها.

وتشير مبادئ القانون الدولي للمياه إلى أهمية الانتفاع المنصف والمعقول بالمجاري المائية الدولية، والتعاون بين الدول المتشاطئة، واتخاذ التدابير اللازمة لتجنب التسبب في ضرر ذي شأن. وتعرض لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا هذه المبادئ باعتبارها عناصر أساسية لإدارة المياه المشتركة، مع مراعاة ظروف كل حوض مائي والتزاماته القانونية ذات الصلة.

ولا يعني ذلك أن كل خلاف فني يمكن حسمه بسهولة، أو أن تطبيق المبادئ العامة ينتج تلقائيًا اتفاقًا سياسيًا. فالتحدي الحقيقي يكمن في ترجمتها إلى إجراءات واضحة بشأن توقيت تبادل المعلومات، ونطاق الدراسات، وتقييم المخاطر، وكيفية التشاور، والتعامل مع الخلافات.

مشروعات التنمية.. مساحة ممكنة للمصالح المشتركة

قد تتيح مشروعات الطاقة والزراعة والري ومياه الشرب مجالًا عمليًا لتوسيع التعاون بين دول الحوض، خاصة عندما تتجاوز فوائدها حدود الدولة التي تنفذها. ويشمل ذلك تطوير البنية الأساسية، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتبادل الخبرات، وتدريب الكوادر، وتعزيز الترابط بين المياه والطاقة والغذاء.

وتقدم مبادرة حوض النيل إطارًا إقليميًا لتحديد الاستثمارات المشتركة ذات القيمة العابرة للحدود، وتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقة، وحشد التمويل للمشروعات ذات الأولوية. ويعكس هذا المسار اتجاهًا نحو ربط التعاون السياسي بمنافع اقتصادية واجتماعية يمكن قياسها.

وفي السياق المصري، قال وزير الموارد المائية والري، في تصريحات نشرتها الهيئة العامة للاستعلامات، إن مصر وافقت على دعم جهود حشد التمويل لحزمة تضم 36 مشروعًا في دول حوض النيل الجنوبي، بعد دراسة المشروعات وتبادل المعلومات وتقييم الآثار والتشاور بشأنها. وتشمل المجالات المطروحة الطاقة الكهرومائية والربط الكهربائي ومياه الشرب والمشروعات متعددة الأغراض.

وتقدم هذه المشروعات مثالًا على الكيفية التي يمكن أن يتقاطع فيها التعاون التنموي مع إدارة المياه المشتركة. غير أن قياس أثرها يتطلب بيانات عن مراحل التنفيذ، والتمويل الذي جرى توفيره بالفعل، وعدد المستفيدين، والنتائج التي تحققت، وليس الاكتفاء بالإعلان عن المشروعات المقترحة.

ما الذي ينقص الشراكة؟

يحتاج الانتقال من الحوار إلى التنفيذ إلى مؤشرات واضحة: هل تُتبادل البيانات في الوقت المناسب؟ هل تُجرى الدراسات قبل اتخاذ القرارات المؤثرة؟ هل توجد آلية مستمرة للتشاور؟ وهل تستطيع الدول متابعة تنفيذ الالتزامات وتسوية الخلافات الفنية قبل تصاعدها؟

كما أن استدامة التعاون تتطلب مراعاة الفروق بين دول الحوض في القدرات الفنية والتمويلية، وأولويات التنمية، والتعرض لمخاطر الجفاف والفيضانات. ومن ثم، فإن بناء الثقة لا يرتبط فقط بالاتفاق على المبادئ، بل أيضًا بانتظام العمل المشترك وشفافية المعلومات وتوزيع المنافع.

وتظل هناك حاجة إلى التمييز بين المشروعات الثنائية التي تحقق منافع محلية، والمشروعات التي تقدم فوائد إقليمية قابلة للقياس، وبين إعلان التمويل وتدبيره فعليًا، وبين الاتفاق على التعاون وتحقيق نتائجه.

اختبار النتائج

تطرح كلمة الرئيس سؤالًا يتجاوز حدود الخطاب السياسي: ما الذي يمكن أن يثبت نجاح التعاون المائي خلال السنوات المقبلة؟ الإجابة لن تتحدد بعدد الاجتماعات أو البيانات المشتركة وحدها، بل بما يتحقق على الأرض من مشروعات، وما تنتجه من منافع، ومدى قدرتها على الحد من المخاطر وبناء الثقة.

فحوض النيل يمتلك فرصًا للتعاون في المياه والطاقة والزراعة والبنية الأساسية، لكن تحويل هذه الفرص إلى شراكة مستدامة يتطلب قواعد عملية، وتمويلًا مستقرًا، وتبادلًا منتظمًا للمعلومات، وآليات تضمن استمرار الحوار عند الخلاف.

وبين مبدأ التعاون واختبار التنفيذ، تبقى القضية الأساسية هي قدرة دول الحوض على بناء نموذج يوازن بين الحق في التنمية والمسؤولية تجاه الآخرين؛ بحيث تصبح المصالح المشتركة أساسًا للعمل، لا مجرد عنوان يتكرر في المؤتمرات.