أسبوع القاهرة لـ المياه.. لا تُقاس أزمة المياه في مصر بحجم ما يصل إلى النهر وحده، بل بالفارق بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتزايدة للسكان والزراعة والصناعة.
ومع هبوط نصيب الفرد من المياه المتجددة إلى مستويات تقل عن حد الندرة المائية المطلقة، وفق تصريحات رسمية نُشرت في أكتوبر 2026، تصبح إدارة كل متر مكعب مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي وكلفة الإنتاج وقدرة الدولة على تلبية الطلب.
وقال وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم، إن نصيب الفرد في مصر يبلغ نحو 473 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو مستوى يقل عن عتبة الندرة المائية المطلقة المقدرة بنحو 500 متر مكعب للفرد سنويًا.
كما أشار إلى أن احتياجات البلاد السنوية من المياه تقدر بنحو 120 مليار متر مكعب، مقابل موارد يمكن تعبئتها تقدر بنحو 89 مليار متر مكعب، مع الاستعانة بإعادة الاستخدام والواردات الغذائية لسد جانب من الفجوة.
وتكشف هذه الأرقام عن تحدٍ يتجاوز البحث عن مصادر إضافية للمياه؛ إذ يتعلق أيضًا بكيفية توزيع الموارد المحدودة بين الاستخدامات المختلفة، ورفع كفاءة استخدامها، وتقليل الفاقد، وتحقيق أكبر إنتاج ممكن من كل وحدة مياه.
النيل مصدر رئيسي.. لكن الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة لـ المياه
بحسب بيانات وزارة الموارد المائية والري المنشورة ضمن استراتيجيتها، تبلغ الموارد المائية التقليدية المتاحة نحو 59.25 مليار متر مكعب سنويًا، منها 55.5 مليار متر مكعب من حصة مياه النيل، إلى جانب كميات من المياه الجوفية العميقة والأمطار والتحلية.
وتقدر الوزارة الاحتياجات المائية الإجمالية بنحو 110 مليارات متر مكعب سنويًا في عرضها للموارد والاحتياجات، مع فجوة تُقدّر بنحو 20.75 مليار متر مكعب بعد احتساب المياه الافتراضية المستوردة في صورة منتجات زراعية وحيوانية.
وتختلف هذه التقديرات عن الأرقام الأحدث التي أعلنها الوزير في أكتوبر 2026، وهو ما يستدعي تحديد سنة البيانات ومنهجية الحساب عند إجراء أي مقارنة.
ويعكس اختلاف الأرقام أهمية عدم التعامل مع «فجوة المياه» باعتبارها رقمًا واحدًا ثابتًا؛ إذ تتغير التقديرات وفق تعريف الاحتياجات، وما إذا كانت تشمل المياه المعاد استخدامها أو المياه الافتراضية في الواردات الغذائية، وكذلك السنة التي تغطيها البيانات.
وتعتمد مصر على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والمياه المعالجة لتوسيع الكمية المتاحة للاستخدام، إلى جانب التوسع في تحلية مياه البحر في المناطق المناسبة، وإدارة المياه الجوفية، وتحسين نظم الري.
لكن هذه البدائل تختلف في تكلفتها، ومواقع توافرها، واستخداماتها الممكنة، ولذلك لا يمكن اعتبارها متساوية أو بديلًا كاملًا لمياه النيل.
إعادة الاستخدام.. مورد إضافي بشروط
تمثل إعادة استخدام المياه أحد المسارات الرئيسية لتخفيف الضغط على الموارد التقليدية، لكنها ليست عملية بسيطة تقتصر على معالجة المياه ثم ضخها في أي استخدام.
فهي تتطلب الالتزام بمعايير جودة مناسبة، ومراقبة الملوثات، وإدارة مخاطر الصحة العامة والبيئة، وتوفير بنية أساسية قادرة على نقل المياه إلى الاستخدامات التي تناسبها.
كما أن حساب العائد من المشروعات يتطلب التمييز بين الطاقة التصميمية لمحطات المعالجة، والكمية التي تعالجها فعليًا، وحجم المياه التي تصل إلى المستفيدين، والوفر الصافي الناتج بعد احتساب الفواقد وتكاليف التشغيل والطاقة.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تقييم المشروعات الكبرى؛ فزيادة الطاقة التصميمية لا تعني تلقائيًا زيادة مماثلة في المياه المتاحة للاستخدام النهائي، كما أن إعادة استخدام المياه في قطاع معين قد تتطلب تغييرات في نظم الري أو التوزيع أو المحاصيل لتحقيق أكبر فائدة.
الزراعة في قلب المعادلة
لا يمكن فصل ملف المياه عن الأمن الغذائي، لأن الزراعة من الاستخدامات الأساسية للمياه، بينما تعتمد قدرة مصر على توفير الغذاء على مزيج من الإنتاج المحلي والاستيراد.
وتؤدي الواردات الغذائية دورًا غير مباشر في تخفيف الضغط على المياه المحلية، من خلال استيراد منتجات استُخدمت مياه لإنتاجها في دول أخرى؛ وهو ما يُعرف بمفهوم «المياه الافتراضية».
لكن هذا المسار يربط الأمن الغذائي بعوامل أخرى، منها الأسعار العالمية، وتكاليف النقل، وسلاسل الإمداد، وتقلبات الأسواق.
لذلك لا يمكن التعامل مع الاستيراد باعتباره حلًا منفردًا، بل جزءًا من مزيج أوسع يشمل تحسين إنتاجية المياه، واختيار أنماط زراعية ملائمة، وتقليل الفاقد، وتعزيز كفاءة سلاسل الغذاء.
ومن هنا، فإن تقييم السياسات المائية لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشروعات المنفذة أو كميات المياه المعالجة، بل يجب أن يشمل إنتاجية المتر المكعب، وتكلفة توفير المياه، وأثر الإجراءات على المزارعين وأسعار الغذاء واستدامة الموارد.
التغير المناخي يزيد تعقيد المهمة
تواجه مصر كذلك مخاطر مرتبطة بالتغير المناخي، من بينها ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط الأمطار في حوض النيل، ومخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر على المناطق الساحلية.
ولا تعمل هذه العوامل بمعزل عن النمو السكاني والتوسع العمراني وتغير الطلب على المياه، بل تتفاعل معها لتزيد تعقيد التخطيط طويل الأجل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية أن تجمع إدارة المياه بين التنبؤ بالمخاطر، ورفع كفاءة الشبكات، وتحديث نظم الري، وحماية الموارد الجوفية، والاستثمار في المعالجة والتحلية حيث تكون مجدية فنيًا واقتصاديًا.
من زيادة الموارد إلى تحسين إدارة كل متر مكعب
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في كلمته خلال أسبوع القاهرة للمياه، أن مصر تعمل على رفع كفاءة استخدام المياه وتنمية مواردها وتعظيم الاستفادة منها، بالتوازي مع دعم التعاون بين دول حوض النيل.
غير أن التحدي الداخلي يظل متعدد الأبعاد: كيف يمكن قياس الوفر الحقيقي من مشروعات إعادة الاستخدام؟ وما تكلفة كل متر مكعب إضافي؟ وأي القطاعات يمكنها تحقيق أكبر عائد تنموي من المياه؟ وكيف تُوزع الاستثمارات بين المعالجة والتحلية وتحديث الري والحد من الفاقد؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب نشر بيانات قابلة للمقارنة حول كميات المياه ومصادرها وتكاليفها ونتائج المشروعات. فحين تصبح المؤشرات واضحة، يمكن الانتقال من الحديث العام عن ترشيد المياه إلى تقييم السياسات على أساس أثرها الفعلي.
وفي ظل قلة نصيب الفرد عن عتبة الندرة المائية المطلقة، لا يكمن الحل في إجراء واحد، بل في إدارة متكاملة تربط بين الموارد والزراعة والطاقة والتجارة والتغير المناخي؛ إدارة تجعل كل متر مكعب أكثر إنتاجية، من دون تحميل مورد واحد أو قطاع واحد عبء الأزمة بأكملها.
