تتجه الأنظار إلى تداعيات التحرك المصري لدعم المملكة العربية السعودية عسكريًا، في ظل تصاعد هجمات جماعة الحوثي اليمنية واتساع نطاق المواجهة الإقليمية، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الدور المصري المحتمل، وحدود المشاركة العسكرية، وانعكاسات هذه الخطوة على الاقتصاد المصري، خاصة مع ارتباط أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب بحركة الملاحة في قناة السويس ومصادر النقد الأجنبي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الصراع، بعدما طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من مجلس النواب الموافقة على تقديم الدعم للسعودية حال طلبت الرياض المساعدة لمواجهة التهديدات الحوثية، وفقًا للمعلومات الواردة بشأن التحركات الرسمية المصرية. ويعكس هذا التوجه أهمية أمن المملكة بالنسبة للقاهرة، في ظل العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية التي تجمع البلدين، فضلًا عن التحديات التي تفرضها التوترات الإقليمية على المصالح المصرية.
ما السيناريوهات المتوقعة للتحرك العسكري المصري؟
تتراوح السيناريوهات المحتملة للتحرك المصري بين تقديم دعم دفاعي محدود، وتعزيز الوجود العسكري في البحر الأحمر، وصولًا إلى مشاركة أوسع إذا تصاعدت التهديدات وطلبت السعودية ذلك رسميًا. ويظل تحديد طبيعة المشاركة وحجم القوات والمهام المنوطة بها مرتبطًا بالقرارات الرسمية المصرية والتطورات الميدانية.
ويأتي تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي في مقدمة السيناريوهات المطروحة، من خلال المساهمة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف المطارات والمنشآت الحيوية السعودية، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية وتطوير التنسيق بشأن الإنذار المبكر. ويتيح هذا المسار للقاهرة دعم القدرات الدفاعية للمملكة دون الانخراط بالضرورة في عمليات هجومية مباشرة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في توسيع المشاركة البحرية المصرية لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وحماية خطوط التجارة الدولية، والحد من التهديدات التي تواجه السفن التجارية قرب مضيق باب المندب. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، إذ يمثل المضيق المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، الذي تعبره السفن المتجهة إلى قناة السويس أو القادمة منها.
ويبرز سيناريو ثالث يتعلق بإرسال قوات أو وحدات عسكرية لتنفيذ مهام دفاعية داخل الأراضي السعودية، سواء لتأمين منشآت استراتيجية أو تعزيز الحماية في المناطق المعرضة للتهديدات. غير أن هذا الاحتمال لا يعني بالضرورة المشاركة في عمليات برية داخل اليمن، إذ تختلف طبيعة الانتشار الدفاعي عن الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين.
وتملك مصر قدرات عسكرية تسمح لها بالمساهمة في أكثر من مسار، إذ تشير التقديرات الواردة إلى امتلاكها نحو 438 ألف عسكري في الخدمة الفعلية، و479 ألفًا من قوات الاحتياط، إلى جانب 3620 دبابة ونحو 1088 طائرة عسكرية و149 قطعة بحرية، بينها غواصات وفرقاطات وحاملتا مروحيات من طراز «ميسترال». وبلغ الإنفاق العسكري المصري نحو 5.2 مليار دولار خلال عام 2025، وفق الأرقام المقدمة.
ومع ذلك، فإن حجم القوات والمعدات لا يمثل العامل الوحيد المحدد لطبيعة التحرك، إذ تظل اعتبارات الجاهزية العسكرية، وتكاليف الانتشار، ومتطلبات حماية الحدود المصرية، واحتمالات التصعيد الإقليمي عناصر أساسية في حسابات القاهرة.
ولمصر تجربة سابقة في المشاركة ضمن التحالف الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015، حيث ركز جانب مهم من دورها على تأمين الممرات البحرية، مع مشاركة محدودة للقوات البرية. وتكشف هذه التجربة عن إمكانية اعتماد القاهرة على مساهمة عسكرية انتقائية تحقق أهدافها الأمنية، دون التورط في حرب برية طويلة ومكلفة.
كيف ينعكس التحرك العسكري على الاقتصاد المصري؟
يمثل أمن البحر الأحمر أحد أبرز العوامل التي تربط التحرك العسكري المصري بالأوضاع الاقتصادية الداخلية، إذ لا تقتصر أهمية دعم السعودية على اعتبارات التضامن السياسي والعلاقات الثنائية، بل تمتد إلى حماية المصالح التجارية ومصادر النقد الأجنبي، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس.
وتعرضت القناة لضغوط كبيرة منذ تصاعد هجمات الحوثيين على السفن التجارية أواخر عام 2023، بعدما دفعت المخاطر الأمنية شركات شحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وأدى ذلك إلى إطالة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين، فضلًا عن تراجع أعداد السفن العابرة للقناة وإيراداتها.
وكانت قناة السويس قد حققت إيرادات تجاوزت 9 مليارات دولار خلال العام المالي 2022/2023، قبل أن تتأثر حركة الملاحة بالتوترات الأمنية في البحر الأحمر. وتشير التقديرات الواردة إلى خسائر تراكمية تُقدر بنحو 9 إلى 10 مليارات دولار منذ تصاعد الهجمات على الشحن التجاري، وهي أرقام تقديرية تتطلب التمييز بين خسائر الإيرادات الفعلية والتقديرات المتعلقة بتراجع العائدات مقارنة بالمستويات المتوقعة.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الجهود المصرية والسعودية في تحسين أمن الملاحة قد يساهم في استعادة ثقة شركات الشحن، وعودة تدريجية للسفن إلى المسار الأقصر عبر البحر الأحمر وقناة السويس. ومن شأن ذلك دعم موارد الدولة من العملات الأجنبية وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات، خاصة في ظل احتياجات الاقتصاد المصري إلى تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي.
لكن هذا المكسب المحتمل لن يتحقق بالضرورة بمجرد إرسال قوات أو تعزيز التنسيق العسكري، إذ يرتبط التعافي الفعلي بمدى تراجع الهجمات، وقدرة الأطراف المعنية على توفير حماية مستدامة للسفن، واستقرار الأوضاع الأمنية على امتداد الممرات البحرية. كما أن شركات الشحن قد تحتاج إلى فترة من الاستقرار المتواصل قبل اتخاذ قرار العودة إلى مساراتها السابقة.
وفي المقابل، يحمل الانخراط العسكري تكاليف مالية محتملة تشمل نقل القوات والمعدات، وتوفير الإمدادات والوقود والصيانة، ورفع مستويات الاستعداد العملياتي. وقد ترتفع هذه التكاليف إذا اتسعت طبيعة المهمة أو طال أمد الانتشار، ما يفرض على القاهرة الموازنة بين كلفة المشاركة والعائد الاستراتيجي المتوقع منها.
وتتزايد أهمية هذه الحسابات في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها مصر، إذ إن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع المستوردة وتكاليف الإنتاج والنقل. وإذا امتد الصراع إلى منشآت الطاقة أو الممرات التجارية الرئيسية، فقد تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة والسلع تحديات إضافية، من بينها ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة الضغوط التضخمية.
وعلى الجانب الآخر، ترتبط مصر والسعودية بعلاقات مالية واستثمارية واسعة، تشمل الاستثمارات والودائع والمساعدات وإمدادات الطاقة، ما يمنح التنسيق بين البلدين أهمية اقتصادية تتجاوز حدود التعاون العسكري. ويمكن أن يسهم استمرار العلاقات الاستراتيجية في دعم فرص الاستثمار والتبادل التجاري، إلا أن حجم أي تدفقات مالية جديدة أو أثرها على الاقتصاد المصري يظل مرهونًا بالاتفاقات الفعلية والقرارات الاستثمارية، وليس بمجرد إعلان الدعم العسكري.
ثلاثة مسارات محتملة للاقتصاد المصري
في الأجل القصير، قد يظل التأثير الاقتصادي للتحرك المصري مرتبطًا بتكاليف الانتشار العسكري ومدى اتساع المهمة، مع استمرار الضغوط على قناة السويس إذا بقيت المخاطر الأمنية مرتفعة. وفي هذه الحالة، لن يكون هناك تحسن سريع بالضرورة في إيرادات القناة أو تدفقات النقد الأجنبي.
أما في الأجل المتوسط، فقد يتيح نجاح التنسيق المصري السعودي في تعزيز حماية الملاحة فرصة لخفض المخاطر الأمنية واستعادة جزء من حركة الشحن، بما يدعم الإيرادات الدولارية ويخفف بعض الضغوط على الاقتصاد. غير أن الوصول إلى مستويات الملاحة السابقة يظل مرتبطًا بتطورات الصراع، ومدى استقرار المنطقة، وقرارات شركات الشحن العالمية.
وفي السيناريو الأكثر خطورة، قد يؤدي اتساع المواجهة إلى استهداف أوسع للمنشآت الحيوية أو اضطراب ممتد في البحر الأحمر، بما يرفع تكاليف النقل والطاقة ويؤخر تعافي قناة السويس. وقد يتزامن ذلك مع ارتفاع النفقات العسكرية وتزايد الضغوط على المالية العامة، ما يجعل احتواء التصعيد أولوية اقتصادية إلى جانب كونه ضرورة أمنية.
وفي المحصلة، لا يمكن تقييم التحرك المصري لدعم السعودية من زاوية عسكرية فقط، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءًا من معادلة أوسع ترتبط بالأمن القومي والتجارة الدولية ومصادر النقد الأجنبي. وبينما قد يساهم الدعم الدفاعي وتأمين الممرات البحرية في حماية المصالح المصرية على المدى الطويل، فإن اتساع المشاركة أو تحولها إلى مواجهة مفتوحة قد يفرض تكاليف ومخاطر إضافية.
وتبقى النتيجة النهائية مرهونة بطبيعة المهمة التي ستُسند إلى القوات المصرية، ومدى التصعيد في المنطقة، وقدرة الجهود السياسية والعسكرية على احتواء التهديدات واستعادة الاستقرار في البحر الأحمر، بما يضمن حماية المصالح المصرية دون تحميل الاقتصاد أعباء تتجاوز المكاسب الاستراتيجية المتوقعة.
عقب مقتل جنديين إسرائيليين.. سموتريتش يصعّد ضد الفلسطينيين في...
