باب النجار.. أحمد فوزي يقترب من رئاسة الحزب مرشحًا وحيدًا.. وتحالف انتخابي يسبق المؤتمر العام، واتهامات من قيادات منسحبة بالضغوط والانحياز تضع شعارات تداول السلطة أمام اختبار داخلي
قبل ساعات من انعقاد المؤتمر العام للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، المقرر غدًا الجمعة 6 نوفمبر، يبدو أن الحزب الذي طالما رفع شعارات الديمقراطية وتداول السلطة وإجراء انتخابات حقيقية، يستعد لانتقال قيادته إلى مرحلة جديدة، لكن عبر مشهد انتخابي يثير تساؤلات حول طبيعة المنافسة وحدود التوافقات المسبقة داخل المؤسسات الحزبية.
فبعد عشر سنوات قضاها فريد زهران على رأس الحزب، منذ انتخابه عام 2016 وإعادة انتخابه في 2022، يتجه أحمد فوزي إلى خلافته، بعدما أصبح المرشح الوحيد على منصب رئيس الحزب في القائمة النهائية، عقب انسحاب عدد من القيادات التي كانت قد أعلنت رغبتها في المنافسة، وفي مقدمتهم باسم كامل وخالد راشد.
المشهد يطرح مفارقة سياسية وتنظيمية يصعب تجاهلها: كيف لحزب يطالب بتداول السلطة على المستوى الوطني، وينتقد غياب التنافس السياسي، أن يصل بانتخاباته الداخلية إلى مرشح وحيد، بعد سلسلة من التفاهمات والخلافات والانسحابات؟
باب النجار.. من مشاورات الخلافة إلى التحالف الثلاثي
لم تبدأ ترتيبات الانتخابات مع فتح باب الترشح، وإنما سبقتها مشاورات داخل الحزب حول الشخصية التي ستخلف فريد زهران، وسط تداول عدد من الأسماء، من بينها أحمد فوزي، ومها عبد الناصر، وباسم كامل، وخالد راشد، ومحمود سامي الإمام.
وخلال هذه المشاورات، برز اسم أحمد فوزي باعتباره أحد المرشحين المدعومين من قيادات داخل الحزب، في وقت كانت فيه النائبة مها عبد الناصر مطروحة ضمن التصورات المتعلقة بالقيادة الجديدة.
وفي 6 أكتوبر الماضي، أُعلن عن تشكيل تحالف انتخابي ثلاثي ضم أحمد فوزي ومحمود سامي ومها عبد الناصر، تضمن التوافق على ترشح فوزي لرئاسة الحزب، ومحمود سامي لمنصب نائب الرئيس للشؤون السياسية والبرلمانية، مع توليه منصب النائب الأول حال موافقة المؤتمر العام، فيما تتولى مها عبد الناصر الترشح لمنصب الأمين العام.
وبدا التحالف، الذي جاء بعد مشاورات بين أطرافه، وكأنه يرسم ملامح القيادة المقبلة قبل انعقاد المؤتمر العام، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة المنافسة، وما إذا كانت الانتخابات ستشهد تعددًا حقيقيًا في المرشحين أم ستتحول إلى إجراء لاستكمال ترتيبات جرى التوافق عليها مسبقًا.
انسحاب باسم كامل وخالد راشد.. اتهامات بالضغوط والانحياز
لم تمر التفاهمات الانتخابية دون اعتراضات، إذ أعلن باسم كامل، الأمين العام للحزب، وخالد راشد، نائب رئيس الحزب، انسحابهما من المنافسة على منصب رئيس الحزب، في بيان مشترك تضمّن انتقادات حادة لمسار الانتخابات.
وتحدث القياديان عن غياب تكافؤ الفرص، ووجود ضغوط أدبية وانحيازات لصالح مرشح بعينه، كما أثارا شبهات بشأن استخدام المال والوعود لدعم طرف على حساب آخر، واعتبرا أن المنافسة جرى إفراغها من مضمونها قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
وتكتسب هذه الاعتراضات أهمية خاصة لصدورها عن قيادات تتولى مواقع تنظيمية بارزة داخل الحزب، وليس عن أعضاء من خارج مؤسساته القيادية.
لكن الاتهامات التي وردت في بيان الانسحاب تظل مزاعم تستوجب التحقق، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مخالفات مثبتة.
وفي المقابل، نفى فريد زهران وجود تحقيق يستهدف باسم كامل أو خالد راشد، فيما أوضح الدكتور إيهاب الخراط، النائب الأول لرئيس الحزب ورئيس لجنة التظلمات، أن مجلس الأمناء يتابع الادعاءات المتعلقة باستخدام أموال أو تقديم وعود مالية بصورة غير ملائمة، وكلف إبراهيم نوار ومحمد محيي الدين بالتحقق منها.
وأكد الخراط عدم وجود شكاوى محددة تثبت ممارسة ضغوط مالية أو معنوية، وهو ما يضع الحزب أمام ضرورة تقديم توضيحات بشأن الإجراءات التي اتخذها للتحقق من تلك الادعاءات، ومدى كفاية الضمانات التي صاحبت العملية الانتخابية.
فريد زهران.. هل يختار الحزب رئيسه أم يختار الرئيس خليفته؟
يبقى دور فريد زهران أحد أبرز الملفات المثارة في انتخابات الخلافة، خاصة في ظل ما أُثير عن دعمه ترشيح أحمد فوزي خلال المشاورات السابقة على الانتخابات.
وبينما يمثل عدم ترشح زهران لدورة جديدة تطبيقًا لمبدأ تداول القيادة، فإن السؤال لا يتوقف عند مغادرة الرئيس لموقعه، بل يمتد إلى طبيعة عملية انتقال السلطة نفسها.
فهل تركت القيادة المنتهية ولايتها المجال مفتوحًا أمام منافسة حقيقية بين المرشحين، أم أن التفاهمات التي سبقت المؤتمر العام أسهمت في ترجيح كفة مرشح بعينه، حتى انتهى الأمر بانسحاب منافسيه؟
لا يمثل دعم رئيس الحزب لمرشح بعينه مخالفة لائحية في حد ذاته، لكنه يثير تساؤلات سياسية وتنظيمية حول حدود تأثير القيادة الحالية في اختيار خليفتها، ومدى استقلالية القرار الانتخابي لأعضاء الحزب.
فالتداول الديمقراطي لا يعني فقط تغيير الأشخاص، وإنما يعني أيضًا ضمان أن يكون اختيار البديل نتاج منافسة مفتوحة، وليس مجرد امتداد لتفاهمات القيادة السابقة.
الحزب الذي انتقد مقترحات السيسي أمام اختبار شعاراته
تزداد المفارقة وضوحًا عند استدعاء مواقف الحزب وفريد زهران من قضايا الديمقراطية وتداول السلطة على المستوى الوطني.
فقد انتقد زهران مقترحات تتعلق بمنح المؤسسة العسكرية دورًا في اختيار الرئيس المقبل، واعتبر أن مثل هذه التصورات تتعارض مع القواعد الدستورية، مؤكدًا ضرورة احترام الدستور والاحتكام إلى الآليات الديمقراطية في انتقال السلطة.
كما تبنى الحزب في مواقفه السياسية خطابًا يدعو إلى التعددية السياسية، وتكافؤ الفرص، ووجود انتخابات حقيقية تسمح بتداول السلطة.
لكن انتخابات الحزب الداخلية تضع هذه المبادئ أمام اختبار عملي: هل يمكن المطالبة بمنافسة حقيقية في الانتخابات العامة، بينما تنتهي انتخابات رئاسة الحزب إلى مرشح واحد بعد انسحاب منافسين تحدثوا عن ضغوط وانحيازات؟
فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، ولا يكفي إجراء التصويت وفق جدول زمني معلن حتى تصبح العملية ديمقراطية مكتملة الأركان؛ إذ تبدأ المنافسة الحقيقية من ضمان حق الترشح، وتكافؤ الفرص، وحرية الحركة داخل التنظيم، وعدم استخدام النفوذ التنظيمي للتأثير على اختيارات الأعضاء.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تفرضه انتخابات المصري الديمقراطي ليس ما إذا كان أحمد فوزي سيصبح رئيسًا بالتزكية، وإنما كيف وصل الحزب إلى هذه النتيجة، وهل كانت هناك فرصة حقيقية أمام منافسين آخرين للاستمرار حتى النهاية؟
98 مرشحًا يتنافسون على 60 مقعدًا.. معركة الهيئة العليا مفتوحة
على الجانب الآخر، لا تبدو المنافسة على مقاعد الهيئة العليا محسومة بالطريقة نفسها، إذ تضم القائمة النهائية 98 مرشحًا يتنافسون على 60 مقعدًا مكملًا للهيئة العليا.
وتضم القائمة عددًا من القيادات والكوادر الحزبية، من بينهم خالد داود، وإيهاب أبو سريع، ومنى عبد الراضي، إلى جانب أسماء أخرى من مختلف المستويات التنظيمية.
ومن المنتظر أن تحدد نتائج هذه الانتخابات جانبًا مهمًا من موازين القوى داخل الحزب خلال المرحلة المقبلة، خاصة أن الهيئة العليا تمثل إحدى المؤسسات الرئيسية في صناعة القرار التنظيمي والسياسي.
كما تشهد انتخابات اتحاد الشباب منافسة على عدد من المواقع، من بينها رئاسة الاتحاد، التي يتنافس عليها رامز روماني وشادي عبد العاطي، إلى جانب تشكيل المكتب التنفيذي للاتحاد.
انتخابات الغد.. اختبار لمصداقية الخطاب قبل اختيار الرئيس
مع اقتراب انعقاد المؤتمر العام، يتجه الحزب إلى إعلان مرحلة تنظيمية جديدة، عنوانها الرسمي انتخاب قيادة جديدة واستكمال تشكيل الهيئة العليا، لكن ما وراء هذا العنوان يظل أكثر أهمية من أسماء الفائزين.
فأحمد فوزي، الذي يتجه إلى رئاسة الحزب بالتزكية، سيبدأ ولايته وسط أسئلة تتعلق بكيفية إدارة الخلافات الداخلية، واستعادة الثقة بين القيادات، وضمان ألا تتحول التوافقات التنظيمية إلى بديل عن المنافسة الديمقراطية.
كما أن خروج فريد زهران من موقع الرئاسة لا ينهي بالضرورة الجدل بشأن المرحلة السابقة، بل يفتح الباب أمام تقييم تجربته، وطبيعة انتقال القيادة، ومدى قدرة الحزب على تجديد مؤسساته وإتاحة المجال أمام تياراته المختلفة.
الجدير بالذكر، إن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ليس مطالبًا فقط بإجراء انتخابات في موعدها، وإنما بتقديم نموذج داخلي يتسق مع المبادئ التي يطالب بتطبيقها على مستوى الدولة.
فإذا كان تداول السلطة حقًا سياسيًا لا يجوز الالتفاف عليه، فإن أولى ساحاته يجب أن تكون داخل الأحزاب نفسها.
فهل ينجح الحزب في إثبات أن الديمقراطية ممارسة داخلية وليست مجرد شعار سياسي؟ أم أن انتخابات الخلافة ستترك وراءها مفارقة يصعب تفسيرها: حزب يطالب بتداول السلطة، لكنه يصل إلى رئيسه الجديد دون منافس؟
ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لانتخابات الغد.. فباب النجار لا ينبغي أن يكون مخلعًا.
