في تاريخ كرة القدم المغربية، نادرًا ما تجد لاعبًا اتفق الجميع على حبه بقدر ما اتفقوا على "عزيز بودربالة".. لم يكن مجرد لاعب يداعب الكرة بمهارة استثنائية في مونديال 1986، بل كان، وبشكل غير مباشر، رقمًا صعبًا في معادلة القوة الناعمة المغربية.. بودربالة لم يدخل السياسة من بوابة الأحزاب، بل دخلها من بوابة "الرمزية الوطنية" التي جعلت منه سفيراً فوق العادة في لحظات تاريخية فارقة.

تأثرت حياة بودربالة بالسياسة منذ اللحظة التي أصبح فيها جزءاً من الجيل الذهبي الذي صنع ملحمة "مكسيكو 86".. في ذلك الوقت، كانت كرة القدم هي اللغة التي تخاطب بها المملكة المغربية العالم لتأكيد حضورها السياسي والدبلوماسي.. بودربالة، بشخصيته الهادئة وكاريزمته، كان الوجه المشرق للمغرب في أوروبا خلال احترافه في سويسرا وفرنسا، حيث ساهمت نجاحاته في تعزيز صورة المغرب كدولة منفتحة تمتلك مواهب تنافس عالمياً، وهو ما يخدم دائماً الأهداف الكبرى للدولة في تحسين صورتها الدولية.

ارتبط اسم بودربالة، مثل زملائه في جيل الثمانينيات، بعلاقة وطيدة مع المؤسسة الملكية، كان المغفور له الملك الحسن الثاني يرى في كرة القدم وسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية، وكان بودربالة أحد "جنوده" المخلصين في هذا المضمار.. هذا القرب لم يكن سياسيًا بالمعنى الحزبي، بل كان تكليفًا وطنيًا؛ حيث تم توظيف صورته كبطل شعبي في دعم المبادرات الاجتماعية والرياضية التي كانت تتبناها الدولة، مما جعله "سياسيًا ببدلة رياضية" في عيون الكثيرين.

بعد اعتزاله، لم يتوارَ بودربالة عن الأنظار، بل انخرط في العمل الجمعوي والمدني، وهو قلب السياسة النابض.. من خلال برامج اكتشاف المواهب ومبادرات دعم الفئات الهشة، كان بودربالة ينفذ أجندة اجتماعية تتقاطع مع طموحات الدولة في التنمية البشرية.. تصريحاته المتزنة حول القضايا الوطنية، ودعمه الدائم لمغربية الصحراء في المحافل الدولية، جعلت منه صوتاً مسموعاً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ليصبح "مؤثراً" سياسياً واجتماعياً يعتمد على رصيده من المصداقية لدى الشعب.

رغم كثرة الإشراءات لضمه إلى معترك الانتخابات، ظل بودربالة حريصاً على المسافة بينه وبين "السياسة الضيقة".. كان يؤمن دائماً أن دوره كأيقونة وطنية يتطلب أن يكون ملكاً للجميع، وليس لطيف سياسي دون غيره.. هذا الموقف في حد ذاته هو "فعل سياسي" ذكي، حافظ به على مكانته كمرجع أخلاقي ورياضي، بعيداً عن صراعات الصناديق التي قد تنال من بريق الأبطال.

عزيز بودربالة هو النموذج الحي لكيف يمكن للرياضي أن يؤثر في المشهد العام لبلده دون أن يحمل "بطاقة حزبية".. لقد تأثر بالسياسة حين حُمّل مسؤولية تمثيل الوطن في عز توهجه، وأثر فيها حين استخدم شعبيته لتعزيز الروح الوطنية والتماسك الاجتماعي.. سيظل بودربالة دائماً ذلك "المايسترو" الذي أدرك بذكائه الفطري أن السياسة الحقيقية هي خدمة الناس ونيل ثقتهم، سواء كان ذلك بلمسة فنية على العشب الأخضر أو بموقف وطني في المحافل الكبرى.