أبدى الناشط المصري علاء عبد الفتاح إحساسه بـ«الذهول» عقب إعادة تداول تغريدات قديمة له كُتبت قبل أكثر من عقد، واستخدامها في «التشكيك في نزاهته ومبادئه».
وجاء ذلك بعد أيام قليلة من وصوله إلى العاصمة البريطانية لندن ولمّ شمله مع أسرته للمرة الأولى منذ 12 عامًا.
في الوقت نفسه، تصاعدت مطالب من سياسيين بريطانيين بترحيله وسحب جنسيته البريطانية.

وأعلنت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، فتح تحقيق في ما وصفته بـ«قصور جسيم في تبادل المعلومات» المتعلقة بقضية الناشط البريطاني المصري علاء عبد الفتاح.
وفي خطاب وجهته إلى لجنة الشؤون الخارجية، أوضحت كوبر أن كلا من رئيس الوزراء كير ستارمر، ونائب رئيس الوزراء ديفيد لامي، إضافة إليها، «لم يكونوا على دراية بالتغريدات القديمة لعبد الفتاح، والتي يعتبرونها مسيئة وبغيضة».

ويأتي ذلك في أعقاب دعوات أطلقها حزب المحافظين وحزب الإصلاح البريطاني لسحب الجنسية البريطانية من عبد الفتاح وترحيله، بعد إعادة نشر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي نُسبت إليه، ورد فيها تحريض على «قتل الصهاينة»، بحسب ما جاء في تلك المنشورات.

 

وخلال الساعات الماضية، تصدّر اسم عبد الفتاح الصفحات الأولى للصحف البريطانية ومنصات التواصل الاجتماعي، مع تداول صور لتغريدات قديمة وُصفت بأنها معادية للسامية وتحرّض على العنف.

وفي بيان مطوّل نشرته الصفحة الرسمية لحملة المطالبة بالإفراج عنه، قال عبد الفتاح إنه بعد إعادة الاطلاع على تلك التغريدات، بات يدرك «مدى صدمتها وإيذائها»، مقدّمًا «اعتذارًا واضحًا وصريحًا لا يحتمل التأويل».

وأشار عبد الفتاح إلى أن الجدل الدائر تزامن مع ظرف شخصي «بالغ الحساسية»، حيث كان يستعد للاحتفال بعيد ميلاد نجله للمرة الأولى منذ عام 2012، مضيفًا: «قضيت معظم سنوات حياة ابني خلف القضبان بسبب دفاعي المستمر عن قيم المساواة والعدالة والديمقراطية العلمانية».

اعتذار


أكد عبد الفتاح أن بعض تغريداته «تم فهمها بشكل خاطئ أو اقتطاعها خارج سياقها عن عمد». وأوضح أن إحدى التغريدات التي وُجهت له بسببها اتهامات برهاب المثلية كانت في الأصل «سخرية من رهاب المثلية ذاته»، بينما كانت تغريدة أخرى فُسرت على أنها إنكار للمحرقة مجرد تهكم على منكريها.

وشدد على أنه يتعامل مع اتهامات معاداة السامية «بأقصى درجات الجدية»، مؤكدًا رفضه للطائفية والعنصرية. ولفت إلى أن تلك التغريدات كُتبت في سياق «غضب وإحباط شاب» خلال أزمات إقليمية كبرى، من بينها الحروب على العراق ولبنان وغزة، إلى جانب تصاعد عنف الشرطة ضد الشباب في مصر. وأضاف أن بعضها جاء في إطار «معارك إلكترونية» سادت بدايات انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، دون إدراك لكيفية تلقيها لاحقًا.

تدوينات قديمة


وعقب وصول علاء عبد الفتاح إلى لندن، انتشرت صور لتغريدات نُسبت إليه على نطاق واسع.
وأظهرت إحدى الصور منشورًا من أغسطس 2011، يُفهم منه تشجيع على مهاجمة الشرطة البريطانية واستهداف «مواقع» في لندن، في أعقاب أعمال الشغب التي اندلعت بعد مقتل الشاب مارك داغن برصاص الشرطة في توتنهام، والتي تطورت لاحقًا إلى اضطرابات امتدت لعدة مدن بريطانية.

كما برزت تدوينة أخرى تعود إلى نوفمبر 2010، تضمنت دعوة لقتل من وصفهم بالصهاينة، بمن فيهم المدنيون، إضافة إلى صورة لتدوينة من عام 2011 تحدث فيها عن خطط للسيطرة على مدينة لم يحددها، وورد فيها حديث عن «اغتصاب نسائها».

وتضمنت تغريدات أخرى نُسبت لعبد الفتاح في عام 2010 هجومًا على «التاريخ الاستعماري البريطاني ومؤسساته»، مع اتهامات بارتكاب مجازر واستعباد شعوب، فضلًا عن عبارات ساخرة ومهينة بحق البريطانيين.

 

ترحيب رسمي وانتقادات


اندلع الجدل بعد يومين فقط من وصول عبد الفتاح، الحاصل على الجنسية البريطانية، إلى لندن، عقب رفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر، وذلك بعد الإفراج عنه بعفو رئاسي عقب قضائه معظم السنوات العشر الماضية في السجن.

وعند وصوله، حظي عبد الفتاح بترحيب رسمي من رئيس الوزراء كير ستارمر وعدد من كبار المسؤولين، من بينهم وزيرة الداخلية إيفيت كوبر ونائب رئيس الوزراء ديفيد لامي، قبل أن يعاد تداول التغريدات المثيرة للجدل، وسط اعتقاد بأن ستارمر لم يكن مطلعًا عليها وقت الترحيب.

وتعرّض ستارمر لانتقادات حادة بسبب تصريحه بأنه «سعيد» بوصول عبد الفتاح إلى المملكة المتحدة، بعد ثلاثة أشهر من الإفراج عنه من أحد السجون المصرية.

وتكثفت الانتقادات، لا سيما من حزب المحافظين، كما طالب بعض نواب حزب العمال بسحب جنسيته، فيما أعاد معارضون نشر تغريداته متهمين إياه بالتحريض على «قتل البيض» ووصف البريطانيين بـ«الكلاب والقرود».

وفي يوم الاثنين، وصف ستارمر التغريدات التي أُعيد تداولها بأنها «بغيضة للغاية»، مؤكدًا أن الحكومة «تتخذ إجراءات لمراجعة أوجه القصور المعلوماتية المرتبطة بهذه القضية».
وأضاف أن تصاعد معاداة السامية، إلى جانب الهجمات الأخيرة، «فاقم معاناة الكثيرين من أبناء الجالية اليهودية في بريطانيا».

وسارع وزير العدل في حكومة الظل عن حزب المحافظين، روبرت جينريك، الذي قاد الانتقادات الموجهة لاستقبال عبد الفتاح، إلى تجديد دعوته لترحيل الناشط من المملكة المتحدة.

وفي مساء الاثنين، أعلنت حركة «إصلاح المملكة المتحدة» نيتها تعديل القوانين بما يتيح سحب الجنسية البريطانية من علاء عبد الفتاح وترحيله.

وفي خطابها للجنة الشؤون الخارجية، أوضحت كوبر أن المراجعات التي بدأت خلال عطلة نهاية الأسبوع كشفت أن وزراء خارجية ورؤساء حكومات سابقين أدلوا بتصريحات علنية بشأن قضية عبد الفتاح «دون الإحاطة بجميع المعلومات ذات الصلة».

وأضافت أن الوزراء الحاليين والسابقين «لم يتم إطلاعهم مطلقًا على هذه التغريدات عند حديثهم علنًا عن القضية»، كما أن الموظفين المدنيين المعنيين «لم يكونوا على علم بها».

وأكدت كوبر وجود «تقصير غير مقبول»، مشيرة إلى أن آليات التحقق المعمول بها منذ سنوات كانت «غير كافية تمامًا في هذه الحالة».

وأعربت وزيرة الخارجية عن «قلق بالغ» من أن إعادة ظهور هذه التغريدات، إلى جانب منشورات رسمية رحبت بعودة عبد الفتاح ونشرتها هي وآخرون في الحكومة، قد «أسهمت في زيادة معاناة الجاليات اليهودية في المملكة المتحدة»، مقدمة اعتذارها عن ذلك.

وأبلغت اللجنة بأنها كلفت كبير موظفي الخدمة المدنية في وزارة الخارجية بمراجعة «الإخفاقات المعلوماتية الخطيرة في هذه القضية»، وكذلك الأنظمة الأوسع للعناية الواجبة في القضايا القنصلية وملفات حقوق الإنسان البارزة، لضمان تصحيحها واستخلاص الدروس اللازمة.

 

مطالبات بالترحيل


ومع انتشار صور التدوينات المنسوبة لعبد الفتاح، تصاعدت الدعوات لسحب جنسيته وترحيله، إذ طالبت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوش بترحيله، قائلة: «لا أريد أشخاصًا يكرهون بريطانيا في بلادنا».

كما دعا زعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج السلطات إلى بحث سحب الجنسية، معلنًا أنه أبلغ شرطة مكافحة الإرهاب بشأن عبد الفتاح.

 

واعتبر بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أن استقبال عبد الفتاح يتناقض مع المعايير المطبقة على مواطنين بريطانيين آخرين، مستشهدين بسجن الناشط اليميني سام ميليا بعد إدانته في قضايا تحريض على الكراهية.

كما علّق رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك بسخرية على وجود عبد الفتاح في لندن.

تراجع في الدعم


وأبدى عدد من السياسيين البريطانيين ندمهم على دعمه في السابق، حيث قال السير إيان دنكان سميث، الذي كان من الموقعين على رسالة تطالب بالإفراج عنه، إنه لو كان على علم بمضمون التغريدات لما وقّع الرسالة.

وانتقدت رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس ما وصفته بتغلغل منظمات حقوق الإنسان داخل مؤسسات الدولة البريطانية، رغم أن حكومتها كانت قد طالبت بالإفراج عنه بعد حصوله على الجنسية البريطانية في عام 2021.

وحصل عبد الفتاح تلقائيًا على الجنسية البريطانية بموجب قانون الهجرة الذي يتيح للأمهات نقل الجنسية لأبنائهن حتى وإن وُلدوا خارج المملكة المتحدة، حيث وُلدت والدته في لندن أثناء دراسة جدته هناك، فيما تقدم علاء بطلب رسمي للجنسية قبل سنوات ضمن محاولات الإفراج عنه.

وقال عبد الفتاح إنه تألم لرؤية بعض من ساندوا قضيته سابقًا يشعرون بالندم، مؤكدًا أن التضامن مع شخص سُجن ظلمًا «موقف أخلاقي مشرّف»، حتى وإن تغيّرت المواقف لاحقًا.

ردود الفعل في مصر


وتباينت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي العربية، إذ رأى البعض أن توقيت تسريب التغريدات قد يكون مقصودًا لتشويه صورة عبد الفتاح كمدافع عن الحرية.

في المقابل، اعتبر آخرون أنه كان يتعين عليه الاعتذار عمّا بدر منه داخل مصر، وليس فقط أمام الرأي العام البريطاني، خاصة أن بعض التدوينات المنسوبة له تضمنت تحريضًا على العنف ضد ضباط الشرطة المصريين وأسرهم.

كما شن إعلاميون مصريون هجومًا عليه، مطالبين بإسقاط الجنسية المصرية عنه.

سجنه في مصر


وخلال سنوات، واجه عبد الفتاح اتهامات من السلطات المصرية شملت التحريض ضد الشرطة والجيش ونشر أخبار كاذبة، وهي اتهامات تؤكد أسرته ومنظمات حقوقية أنها ذات خلفية سياسية.

وقضى عبد الفتاح عدة سنوات في السجن على خلفية قضايا تتعلق بالتحريض ونشر أخبار كاذبة، حيث أُوقف آخر مرة في عام 2019، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات في 2021، كما سبق توقيفه في عامي 2011 و2013 بتهم مشابهة.

وأُفرج عن عبد الفتاح لاحقًا بعفو رئاسي مصري، بعد إضراب طويل عن الطعام خاضته والدته، الأكاديمية ليلى سويف، ما أثار مطالب حقوقية ودولية واسعة بالإفراج عنه.

وكانت الحكومة البريطانية، إلى جانب رئيس الوزراء كير ستارمر وعدد من المسؤولين، من بين الجهات التي طالبت بإخلاء سبيله قبل الإفراج عنه.