قال الخبير الاقتصادي المعتز بالله فودة إن دمج الهيئات الاقتصادية ضمن موازنة الحكومة العامة يُعد واحدة من أخطر وأدق الخطوات المحاسبية في تاريخ إدارة المالية العامة المصرية، مشيرًا إلى أن ما حدث لا يمكن اختزاله في كونه تعديلًا شكليًا بالأرقام، بل هو إعادة ترتيب شاملة لـ“بيت المال” المصري.

وأوضح فودة أن الدولة نجحت عبر هذا الإجراء في إظهار الحجم الحقيقي للاقتصاد المصري، بعدما كانت كيانات اقتصادية ضخمة، مثل هيئة قناة السويس وهيئة البترول وهيئة المجتمعات العمرانية، تعمل لسنوات طويلة خارج الحسابات الكلية للناتج المحلي، وهو ما جعل الاقتصاد يبدو أقل وزنًا مما هو عليه في الواقع.

وأضاف أن دمج هذه الكيانات أدى إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي دفتريًا، وهو ما انعكس تلقائيًا على خفض نسبة الدين إلى الناتج، دون أن تتحمل الخزانة العامة أعباء سداد جديدة، واصفًا الأمر بأنه “تصحيح محاسبي مشروع” وليس تحايلًا على الأرقام.

وأشار فودة إلى أن أحد أبرز آثار الدمج تمثل في معالجة ما يُعرف بـ“التشابكات المالية”، حيث كانت وزارة المالية مدينة للهيئات، والهيئات مدينة للوزارة، وهو ما جرى التعامل معه باعتباره التزامات داخلية تم تسويتها حسابيًا.

كاشفًا أن جزءًا معتبرًا من الدين العام كان في حقيقته “دين الدولة لنفسها”.

وحذّر الخبير الاقتصادي في الوقت ذاته من أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تحمل مخاطر حقيقية إذا لم تُدار بحوكمة صارمة، موضحًا أن تعثر أي هيئة اقتصادية كبرى قد ينعكس مباشرة على الموازنة العامة، كما أن فقدان الهيئات الناجحة لاستقلاليتها المالية قد يحولها إلى مجرد أدوات لسد اختلالات أخرى، بما يضعف كفاءتها الإنتاجية.

وأكد فودة أن الخطر الأكبر يكمن في الوقوع في فخ الثقة الزائدة، مشددًا على أن تحسن المؤشرات الدفترية لا يعني اختفاء التحديات الحقيقية، وعلى رأسها أعباء الدين الخارجي ومتطلبات السداد بالعملة الصعبة.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تقف الآن أمام خيار حاسم: إما استثمار هذا الدمج كأداة قوية لتعزيز الرقابة والشفافية وتحسين إدارة الموارد، أو الاكتفاء بتجميل البيانات، وهو ما قد يترتب عليه ضغوط مالية مستقبلية إذا تراجعت إيرادات أي من الهيئات الكبرى، مشيرًا إلى أن الأيام المقبلة وحدها ستكشف مدى صلابة هذا الهيكل الجديد في مواجهة المتغيرات الاقتصادية العالمية.