مع استمرار حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي التي تخيم على المشهد في فنزويلا مطلع عام 2026، يجمع خبراء الطاقة ومحللو الأسواق الدولية على أن تداعيات هذه الأزمات تظل محدودة التأثير على دول مجلس التعاون الخليجي. فعلى الرغم من امتلاك فنزويلا لأضخم احتياطيات نفطية مؤكدة عالميًا، إلا أن انهيار بنيتها التحتية وتراجع إنتاجها إلى مستويات تقارب 800 ألف برميل يوميًا جعلاها لاعبًا ثانويًا في ميزان العرض العالمي، مقارنة بالثقل الإنتاجي الخليجي الذي يقود استقرار الأسواق عبر تحالف «أوبك+».
علاوة المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها المحدود
ويرى مراقبون أن التأثير المباشر للأحداث الفنزويلية يقتصر على ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، التي تدفع أسعار الخام للارتفاع المؤقت مع كل تصعيد سياسي أو أمني في كاراكاس، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الميزانيات الخليجية عبر زيادة الإيرادات النفطية. ومع ذلك، تؤكد تقارير اقتصادية حديثة أن دول الخليج باتت تعتمد سياسات استباقية تفصل بين تقلبات الأسعار اللحظية وبين خطط التنمية طويلة الأمد، ما يجعلها أكثر تحصنًا أمام الهزات التي تضرب المنتجين المتعثرين في أميركا اللاتينية.
نوعية النفط الفنزويلي وفرص الخليج البديلة
وفي هذا السياق، يشير محللون إلى أن نوعية النفط الفنزويلي شديد الثقل لا تشكل تهديدًا مباشرًا للصادرات الخليجية، التي تتميز بجودة أعلى وتكلفة استخراج أقل. بل على العكس، أدى الغياب القسري لفنزويلا عن بعض الأسواق، وعلى رأسها السوق الأميركية، إلى إتاحة فرص إضافية لبعض دول الخليج لتعويض النقص في أنواع معينة من الخام، وهو ما عزز من مكانة دول المجلس بوصفها «صمام الأمان» الأكثر موثوقية لاستقرار إمدادات الطاقة عالميًا.
قراءة سياسية أوسع للتداعيات
وفي قراءة أعمق لأبعاد الأزمة، أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، لـ"خمسة سياسة" أن ما يحدث في فنزويلا يعكس تحوّلًا واضحًا في طبيعة النظام الدولي، حيث بات الاقتصاد المدعوم بالقوة هو المحرك الأساسي للتفاعلات العالمية خلال عام 2026. وأوضح أن التحركات الأميركية الأخيرة، سواء عبر السعي للسيطرة على مصادر النفط الفنزويلية أو ملاحقة ناقلات النفط، تؤكد أن تأمين الطاقة بات أولوية استراتيجية تتجاوز الاعتبارات التقليدية للقانون الدولي.
وأشار سلامة إلى أن نجاح الولايات المتحدة في بسط نفوذها على النفط الفنزويلي، الذي يُعد الأعلى احتياطيًا في العالم بنحو 303 مليارات برميل، قد يؤدي إلى تراجع الأهمية النسبية للنفط الخليجي كمورد مباشر لواشنطن، دون أن يمس ذلك الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج نفسها. ولفت إلى أن الفارق جوهري بين تراجع قيمة النفط كمصدر وبين استمرار أهمية الخليج كمنطقة نفوذ وصراع جيوسياسي، نظرًا لموقعها الجغرافي الحاكم والممرات البحرية الحيوية وترتيبات الأمن الإقليمي.
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج يتمثل في قدرتها على الانتقال من موقع «المفعول به» إلى «الفاعل»، عبر تبني استراتيجيات استباقية تقوم على تعزيز التعاون الإقليمي، وتفعيل أطر العمل المشترك سواء داخل مجلس التعاون الخليجي أو على المستوى العربي الأوسع، بما يضمن حماية المصالح الاقتصادية والأمنية في ظل التحولات الدولية المتسارعة.
مواقف خليجية رسمية وتحليلات نفطية
وفي الإطار ذاته، أكد وزير النفط الكويتي طارق الرومي، في تصريحات لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) وصحيفة «كويت تايمز»، التزام بلاده بدعم الجهود المشتركة لتعزيز التعافي الاقتصادي العالمي والحفاظ على التوازن في سوق النفط، مشددًا على أن التعاون داخل تحالف «أوبك+» يظل حجر الزاوية لاستقرار أسواق الطاقة، وأن الإبقاء على مستويات الإنتاج الحالية يعكس هذا النهج الحذر.
من جانبهم، قال خبراء نفطيون كويتيون في تصريحات لوكالات أنباء دولية، من بينها «رويترز» و«كونا»، إن تأثير التطورات الفنزويلية يظل محدودًا على المديين القصير والمتوسط، مؤكدين أن التأثير نفسي وجيوسياسي بالأساس، وليس نابعًا من تغيرات حقيقية في مستويات الإمدادات.
وفي تحذير لافت، أشار المحلل النفطي الكويتي محمد البغلي إلى أن ما وصفه بمحاولات «الاستيلاء على ثروات فنزويلا» يفرض على دول الخليج ضرورة التحوط على المدى الطويل، معتبرًا أن ما يحدث قد يشكل سابقة قابلة للتكرار مع دول أخرى تمتلك ثروات طبيعية كبيرة.
سوق مُحصّنة أمام الصدمات
وبحسب تحليلات صادرة عن مؤسسات دولية مثل «رويترز» و«بلومبرغ»، فإن إنتاج فنزويلا الحالي، الذي يمثل أقل من 1% من الإمدادات العالمية، لا يكفي لإحداث صدمة في سوق تتمتع حاليًا بوفرة نسبية في العرض. كما أشارت «رويترز» إلى أن أي نقص في الخام الفنزويلي الثقيل يمكن تعويضه بسهولة من مصادر بديلة مثل كندا أو خليج المكسيك.
وتؤكد مجمل هذه التصريحات والتحليلات أن دول الخليج تتعامل مع الأزمة الفنزويلية بقدر كبير من الحذر والبراغماتية، مستندة إلى ثقلها الإنتاجي وقدرتها على المناورة داخل أسواق الطاقة العالمية، في وقت تبدو فيه العاصفة الفنزويلية عاجزة عن كسر حالة الهدوء النسبي في أسواق النفط العربية.
