تشهد إيران احتجاجات واسعة النطاق على مستوى البلاد، اندلعت نتيجة تدهور الاقتصاد في ظل الجمهورية الإسلامية، ما يفرض ضغوطًا إضافية على النظام الحاكم. في الوقت نفسه، أقدمت السلطات الإيرانية على قطع الإنترنت وشبكات الهاتف، مما يزيد صعوبة متابعة الأحداث وتقييم حجم الاحتجاجات الحقيقية.

تداعيات الصراعات الخارجية والعقوبات الاقتصادية

لا تزال طهران تواجه تداعيات حرب قصيرة استمرت 12 يومًا شنتها إسرائيل في يونيو الماضي، إلى جانب قصف الولايات المتحدة لمواقع نووية إيرانية. كما تفاقمت الضغوط الاقتصادية منذ سبتمبر، عندما أعادت الأمم المتحدة فرض العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، ما أدى إلى انهيار قياسي في قيمة الريال الإيراني، الذي تجاوز 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي الواحد.

تكتسب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران أبعادًا جديدة في هذا السياق، إذ حذّر من أن الولايات المتحدة ستتدخل إذا أقدمت طهران على قتل المتظاهرين السلميين بعنف، وذلك بعد قيام القوات الأمريكية باعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، أحد أبرز حلفاء إيران. وقال ترامب: "نراقب الوضع عن كثب. وإذا بدأوا في قتل الناس كما فعلوا في السابق، فسيتعرضون لضربة قوية جدًا من الولايات المتحدة".

مدى اتساع الاحتجاجات

أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، ومقرها الولايات المتحدة، بأن أكثر من 500 احتجاج اندلعت في جميع المحافظات الإيرانية الـ31 حتى صباح السبت. وذكرت الوكالة أن عدد القتلى وصل إلى 65 شخصًا على الأقل، مع أكثر من 2300 حالة اعتقال. وتعتمد الوكالة على شبكة من النشطاء داخل إيران، وقد ثبتت دقة تقاريرها خلال احتجاجات سابقة.

ولا يزال من الصعب تقييم الحجم الحقيقي للاحتجاجات، إذ تقدم وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية معلومات محدودة للغاية. كما تُظهر مقاطع الفيديو المنتشرة على الإنترنت مشاهد مقتضبة وغير واضحة لأشخاص في الشوارع وأصوات إطلاق نار. ويواجه الصحفيون داخل إيران قيودًا صارمة، تشمل ضرورة الحصول على تصاريح للتنقل، إلى جانب مخاطر المضايقة أو الاعتقال. وزاد قطع الإنترنت من تعقيد نقل الصورة الحقيقية للأحداث.

رغم ذلك، لا يبدو أن الاحتجاجات في طريقها إلى التوقف، حتى بعد تصريح المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بأن "مثيري الشغب يجب وضعهم في مكانهم".

أسباب اندلاع الاحتجاجات

أدى انهيار الريال الإيراني إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، حيث ارتفعت أسعار اللحوم والأرز وغيرها من السلع الأساسية، في ظل معدل تضخم سنوي يقارب 40%. وفي ديسمبر، أدخلت الحكومة الإيرانية شريحة تسعير جديدة للبنزين المدعوم، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود رغم أنها لا تزال من بين الأرخص عالميًا، وزاد من الضغوط المعيشية على المواطنين. كما تشير التوقعات إلى زيادات إضافية خلال الفترة المقبلة، في ظل خطط لمراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر.

وقد تشهد أسعار الغذاء ارتفاعًا جديدًا بعد أن أوقف البنك المركزي الإيراني العمل بسعر الصرف التفضيلي المدعوم لمعظم السلع، مستثنيًا الأدوية والقمح فقط. وبدأت الاحتجاجات أواخر ديسمبر بتحركات لتجار في طهران، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى من البلاد، وسرعان ما تحولت مطالبها من اقتصادية إلى هتافات مناهضة للحكومة.

وكانت حالة الغضب الشعبي متراكمة على مدى سنوات، خاصة عقب وفاة الشابة مهسا أميني (22 عامًا) أثناء احتجازها لدى الشرطة عام 2022، وهو الحدث الذي فجّر موجة احتجاجات واسعة آنذاك. كما هتف بعض المتظاهرين دعمًا لـ ولي العهد الإيراني السابق المنفي، رضا بهلوي، الذي دعا إلى التظاهر مساء الخميس والجمعة.

تفاقم الأزمة الاقتصادية والفساد

انطلقت الاحتجاجات أساسًا من تجمعات داخل أسواق (بازارات) طهران احتجاجًا على التضخم المتصاعد، قبل أن تتصاعد الأسبوع الماضي بعد ارتفاع مفاجئ في أسعار زيت الطهي والدجاج، واختفاء بعض المنتجات من الرفوف. وجاء هذا التصعيد بعد قرار البنك المركزي بإنهاء برنامج يسمح لبعض المستوردين بالحصول على الدولار بسعر أقل من السوق، ما دفع أصحاب المتاجر إلى رفع الأسعار، وأجبر بعضهم على إغلاق محالهم.

كما أدّت مظاهر الفساد المستشرية في مؤسسات الدولة وسوء إدارة الموارد المالية، إلى جانب تداخل الأزمات البيئية مع جمود القيادة السياسية، إلى وضع الحكومة على حافة الانهيار. وساهمت عوامل خارجية، مثل العقوبات الخانقة واحتمالات اندلاع مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في زيادة القلق داخل مؤسسات الدولة وتصاعد مخاوف المواطنين.

وقال أرانج كيشافارزيان، الأستاذ المشارك في دراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك: "لا يمتلك أيٌّ من القادة السياسيين في إيران خريطة طريق لإخراج البلاد من أزماتها. الأداة الوحيدة المتبقية للجمهورية الإسلامية هي الإكراه واستخدام القوة. لقد حاول الناس طرقًا مختلفة للتعبير عن آرائهم، لكن خلال السنوات الخمس عشرة الماضية فقدت شرائح واسعة من المجتمع الثقة في النظام".

قلق دولي من البرنامج النووي الإيراني

تؤكد إيران منذ عقود أن برنامجها النووي سلمي، غير أن مسؤوليها صعّدوا مؤخرًا تهديداتهم بالسعي لامتلاك سلاح نووي. وقبل الضربة الأمريكية في يونيو، كانت إيران تخصّب اليورانيوم بمستويات قريبة من درجة تصنيع السلاح، لتصبح الدولة الوحيدة غير النووية التي تفعل ذلك. كما قلّصت طهران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في السنوات الأخيرة، وحذّر مدير الوكالة من أن إيران قد تتمكن من تصنيع ما يصل إلى 10 قنابل نووية إذا قررت التسلح.

وترى أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن إيران لم تبدأ بعد برنامجًا فعليًا للأسلحة النووية، لكنها "اتخذت خطوات تضعها في موقع يسمح لها بإنتاج سلاح نووي إذا قررت ذلك". وقالت إيران مؤخرًا إنها لم تعد تخصّب اليورانيوم في أي موقع داخل البلاد، في محاولة لإظهار الانفتاح على مفاوضات محتملة لتخفيف العقوبات، إلا أنه لم تُسجل أي محادثات جدية منذ حرب يونيو.

تاريخ العلاقة بين إيران والولايات المتحدة

كانت إيران في الماضي أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، الذي اشترى أسلحة أميركية وسمح لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بإدارة مواقع تجسس ضد الاتحاد السوفيتي. كما دعمت الـCIA انقلاب عام 1953 الذي عزز حكم الشاه.

لكن في يناير 1979، فرّ الشاه من البلاد بعد تصاعد الاحتجاجات الشعبية، لتقود الثورة الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني إلى قيام نظام ديني. وفي وقت لاحق، اقتحم طلاب جامعيون السفارة الأمريكية في طهران، مطالبين بتسليم الشاه، ما أدى إلى أزمة احتجاز رهائن استمرت 444 يومًا وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، دعمت الولايات المتحدة الرئيس العراقي صدام حسين، وشنّت هجومًا بحريًا أضر بإيران، كما أسقطت طائرة مدنية إيرانية اعتقدت أنها عسكرية. تأرجحت العلاقات بين العداء والدبلوماسية الحذرة منذ ذلك الحين، وبلغت ذروتها بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، لكن انسحاب ترامب منه أحاديًا عام 2018 أدى إلى تصاعد التوترات في المنطقة، خاصة بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.