في قلب القارة الأفريقية، تقف زيمبابوي كنموذج صارخ لكيف يمكن للسياسة أن تمنح الرياضة قبلة الحياة تارة، وتخنقها حتى الموت تارة أخرى، فمنذ عقود، لم يكن المستطيل الأخضر أو ملاعب الكريكيت في هذا البلد مجرد ساحات للتنافس، بل كانت "مساحات سياسية" بامتياز، تعكس تقلبات الحكم من حقبة الاستعمار إلى عهد "روبرت موغابي" وما بعده.
تعد واقعة "الشارات السوداء" في كأس العالم للكريكيت عام 2003 واحدة من أشهر اللحظات التي امتزجت فيها الرياضة بالسياسة في تاريخ العالم، عندما ارتدى اللاعبان "أندي فلاور" و"هنري أولونجا" شارات سوداء احتجاجاً على ما وصفاه بـ "موت الديمقراطية" تحت حكم الرئيس الراحل موغابي.
هذه اللفتة الرياضية لم تكن عابرة، بل تسببت في زلزال سياسي أدى لنفي اللاعبين، لكنها وضعت نظام موغابي في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ومن هنا، بدأت السياسة تتدخل بعنف لتأميم الرياضة؛ حيث سعت الحكومة لفرض سيطرتها على تكوين المنتخبات بناءً على اعتبارات عرقية وسياسية، مما أدى لتراجع مستويات زيمبابوي في اللعبة التي كانت يوماً ما فخر البلاد.
أما في كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى، فقد دفع "محاربو زيمبابوي" ثمناً باهظاً للتدخلات الحكومية.. في عام 2022، قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم تجميد النشاط الرياضي في زيمبابوي بسبب قيام "لجنة الرياضة والترفيه" الحكومية بحل اتحاد كرة القدم المحلي.
كان هذا التدخل الحكومي، الذي بررته السلطات بمكافحة الفساد والاعتداءات الجنسية داخل الاتحاد، بمثابة "رصاصة رحمة" أصابت طموحات جيل كامل من اللاعبين، حُرمت زيمبابوي من المشاركة في تصفيات كأس الأمم الأفريقية وكأس العالم، وتحولت الملاعب إلى أطلال بسبب غياب التمويل والانشغال بالصراعات السياسية على مقاعد الإدارة، مما أثبت أن يد السياسة حين تطول "الفيفا" لا تخلف وراءها سوى العزلة.
على الجانب الآخر، لطالما استخدم النظام الحاكم في زيمبابوي الرياضة كأداة "للبروباغندا" ففي لحظات الأزمات الاقتصادية الطاحنة والتضخم الذي حطم الأرقام القياسية، كانت الحكومة تسارع للاحتفاء بأي إنجاز رياضي فردي لتصدير صورة "الدولة الصامدة" كان السياسيون يتسابقون لالتقاط الصور مع الأبطال العائدين من الأولمبياد للتغطية على الإخفاقات التنموية، مما جعل الرياضي في زيمبابوي يجد نفسه دائماً بين مطرقة الولاء للنظام وسندان الطموح الشخصي.
مأساة الرياضة في زيمبابوي تكمن في أن الساسة لم ينظروا إليها قط كصناعة مستقلة، بل كفرع من فروع السلطة، هذا التدخل لم يؤدِ فقط إلى تراجع النتائج، بل أدى إلى هجرة العقول الرياضية والمواهب الشابة التي فضلت تمثيل دول أخرى هرباً من "تسييس الملاعب".
