في الوقت الذي تتسابق فيه الجامعات المصرية لتوسيع نطاقها الأكاديمي وربط تخصصاتها بسوق العمل، تظل جامعة الأقصر مثالاً صارخاً على الحلم المؤجل والفرصة الضائع، منذ أربع سنوات مضت، أعلن عن إنشاء كلية الزراعة في هذه الجامعة الناشئة، لكن القرار ظل حبيس الأدراج، ولم يرَ النور حتى الآن، الأقصر التي تُعد من أهم المحافظات الزراعية في مصر وقامت الحضارة الفرعونية علي أرضها بمقومات  زراعية ، ما زالت بلا مؤسسة تعليمية متخصصة تُخرّج الكوادر العلمية القادرة على قيادة نهضة زراعية حقيقية، وكأن التنمية يمكن أن تتحقق بلا تعليم، وكأن الإستثمار يمكن أن ينهض بلا عقول مدربة .  

جامعة الأقصر اليوم قائمة على عدد محدود من الكليات التي التي تعد علي  الأصابع، وبعض هذه الكليات لا يرتبط بسوق العمل ولا يواكب احتياجات التنمية المحلية، وهو ما يتناقض مع التوجيهات الرئاسية التي شددت على ضرورة ربط التعليم بسوق العمل والإهتمام  بالكليات الزراعية والتكنولوجية باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، ومع ذلك لم تستجب الجامعة لهذه التوجيهات وظلت أسيرة البيروقراطية والقرارات المؤجلة، منشغلة بالمجد الذاتي والتريند والشو الإعلامي، لتتحول كلية الزراعة إلى حلم مستحيل لم يتحقق رغم وضوح الحاجة إليها.  

وفي خضم هذا الواقع، خرج وزير الإستثمار في مؤتمر صحفي بالأقصر ليؤكد أن المحافظة تمتلك مقومات واعدة في الصناعة والزراعة، وأنها قادرة على جذب استثمارات ضخمة في هذه القطاعات، وتحدث الوزير عن فرص إنتاجية هائلة وعن مستقبل مشرق للإستثمار الزراعي، لكنه تجاهل السؤال الجوهري: كيف يمكن الحديث عن استثمار زراعي بلا كلية زراعة؟ هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع العملي يكشف فجوة عميقة، إذ لا يمكن أن تُترجم هذه "المقومات الواعدة" إلى استثمار فعلي دون وجود كوادر علمية متخصصة في علوم التربة والهندسة الزراعية والتصنيع الغذائي، تصريحات الوزير بدت براقة، لكنها افتقرت إلى الأساس التعليمي الذي يجعل الإستثمار ممكناً ومستداماً، وهو ما يجعلها أقرب إلى الشعارات منها إلى الخطط الواقعية.  
غياب كلية الزراعة عن جامعة الأقصر يعني غياب البحث العلمي التطبيقي، غياب التدريب الحديث للمزارعين، غياب الربط بين الإنتاج الزراعي والصناعة الغذائية، وهو ما يترجم إلى خسارة مضاعفة للأرض وللشباب وللإقتصاد  المحلي وفقدان التصدير و التبادل العلمي الدولي، فالمحافظة التي تنتج القمح وقصب السكر والخضروات وتُعد من أهم مناطق الإستثمار الزراعي، لا تمتلك حتى الآن كلية تُخرّج مهندسين زراعيين أو خبراء في علوم التربة أو متخصصين في التصنيع الغذائي، وبينما تُعقد المؤتمرات وتُلقى الكلمات عن الإستثمار  الواعد، يظل الواقع مُفرغاً من جوهره، والحديث بلا تعليم زراعي ليس سوى شعارات تتبخر في الهواء.
الأهالي في الأقصر ينظرون إلى هذا التعطيل باعتباره إهداراً لفرصة تاريخية كان يمكن أن تجعل المحافظة نموذجاً للتكامل بين التعليم والإنتاج. فالتنمية الزراعية لا يمكن أن تنهض بلا كوادر علمية، والقرار الذي لم يُنفذ منذ أربع سنوات جعل الحلم يبدو مستحيلاً، وكأن الجامعة بلا رؤية واضحة، وكأن الإدارة عاجزة عن إدراك أن التنمية تبدأ من التعليم.
إن غياب كلية الزراعة عن جامعة الأقصر ليس مجرد نقص في البنية التعليمية، بل هو جرح في قلب التنمية الزراعية، وإهدار لفرصة كان يمكن أن تضع الأقصر في موقع الريادة الزراعية والعلمية، الحلم الذي لم يتحقق خلال أربع سنوات لم يكن مستحيلاً، بل كان يحتاج إلى إرادة وإدارية جادة، لا إلى مؤتمرات تُزين الكلام، التنمية الحقيقية تبدأ من التعليم، والزراعة بلا كلية زراعة ستظل وهماً يُباع في سوق الشعارات، بينما يظل أبناء الأقصر ينتظرون قراراً حاسماً يعيد للحلم روحه ويضع حجر الأساس لمستقبل يستحقونه.