في مدينة فالنسيا الإسبانية، حيث يسطع بريق نادي "الخفافيش" (فالنسيا)، يقبع نادٍ آخر يحمل إرثاً لا يقل أهمية، ليس فقط كونه الأقدم في المدينة، بل لكونه مرآة عكست أكثر فترات التاريخ الإسباني دموية وتعقيداً.

نادي ليفانتي ليس مجرد فريق لكرة القدم؛ بل هو حكاية سياسية مغلفة بالرياضة، ولدت من رحم الحرب الأهلية وصراع الهويات.

​تأسس نادي ليفانتي في عام 1909، ومنذ اللحظة الأولى، ارتبط اسمه بالطبقة العاملة وسكان الأحياء القريبة من ميناء فالنسيا، في المقابل، كان جاره "نادي فالنسيا" يمثل الطبقة الوسطى والأرستقراطية.. هذا الانقسام الطبقي كان الشرارة الأولى لدخول السياسة في صلب النادي، حيث أصبح ليفانتي رمزاً لـ "البروليتاريا" والمطالب الاجتماعية في مواجهة النفوذ التقليدي.

​​بلغت ذروة التدخل السياسي في شؤون ليفانتي خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939).. في تلك الفترة، كان هناك ناديان في المدينة "ليفانتي" و"خيمناستيكو" خلال الحرب، فقد ليفانتي ملعبه الذي دمرته القنابل، بينما فقد خيمناستيكو معظم لاعبيه في جبهات القتال. ​

تحت ضغوط الظروف السياسية والعسكرية، أُجبر الناديان على الاندماج في عام 1939 لتشكيل ما يُعرف اليوم بـ "ليفانتي يونيون ديبورتيفا".. هذا الاندماج لم يكن رياضياً بحتًا، بل كان محاولة لإعادة ترتيب الأوضاع الاجتماعية والرياضية في فالنسيا بعد انتصار الجبهة القومية بقيادة فرانكو، حيث سعت السلطات الجديدة لدمج الكيانات المشتتة تحت سيطرة مركزية واحدة. ​

تعد قضية "كأس إسبانيا الحرة" التي فاز بها ليفانتي عام 1937، أكبر دليل على تأثير السياسة، أقيمت هذه البطولة في المناطق التابعة للجمهوريين (المعارضين لفرانكو) أثناء الحرب.. لسنوات طويلة، رفض الاتحاد الإسباني لكرة القدم والأنظمة المتعاقبة الاعتراف بهذا اللقب، معتبرين إياه "بطولة متمردة" غير شرعية سياسياً.

لم ينل ليفانتي اعترافاً رسمياً بهذا اللقب إلا مؤخراً في عام 2023، بعد عقود من النضال القانوني والسياسي لإثبات حقه التاريخي الذي طمسه نظام فرانكو.

​خلال عقود الديكتاتورية، عانى ليفانتي من "التهميش الممنهج".. فبينما كان الجار "فالنسيا" يحظى بدعم نخبوي ويحقق الألقاب، كان ليفانتي يُعامل كفريق "أحمر" (إشارة للجمهوريين) بسبب جذوره العمالية وموقعه الجغرافي، أثر هذا التمييز السياسي على ميزانية النادي وقدرته على المنافسة، مما جعله يتأرجح بين الدرجات الدنيا لسنوات طويلة.

يفتخر مشجعو ليفانتي بأن ناديهم هو "نادي المقاومة".. السياسة التي حاولت صهر هويته أو إلغاء بطولاته، جعلت منه رمزاً للصمود، إن قصة ليفانتي هي تذكير دائم بأن كرة القدم في إسبانيا لم تكن يوماً مجرد لعبة، بل كانت ميداناً للصراعات الأيديولوجية التي شكلت ملامح الدولة المعاصرة.