وسط مشهد وطني يشهد حراكًا متسارعًا نحو التطوير والتحديث، يظل قطاع الشهر العقاري والتوثيق شاهدًا حيًا على نقلة نوعية أحدثتها وزارة العدل، نقلة لم تقتصر على تحديث المقرات وتوسيع الفروع وتبسيط الإجراءات، بل إمتدت لتشمل تطوير البنية التشريعية والإدارية والبشرية، بما إنعكس مباشرة على رضا المواطنين وثقتهم في هذا القطاع الأهم بأروقة العدالة، غير أن هذا المشهد المشرق لا يخلو من ظلال، إذ يطفو على السطح ملف طال إنتظاره، يتعلق بحقوق بباقي المجموعة النوعية من باحثي التنمية الإدارية وباحثي التمويل والمحاسبة الحاصلين علي ليسانس الحقوق والشريعة والقانون، الذين درجات الماجستير والدكتوراه، من بين من وافقوا على ترغيبهم للنقل الي وظائف القانون، وهو ملف بات عنوانًا لإختبار حقيقي لمدى التزام الوزارة بمبادئ العدالة التي أعلنتها.
لقد أُنجزت خطوات مهمة في هذا المسار، بدءًا من التدريب الشامل واعتماد الفتوى والتشريع بمجلس الدولة لأكثر من مرة واخذ رأي التنظيم والإدارة التي أنهت الأمر أكثر من مرة باحقيتهم جميعا للنقل ، وصولًا إلى تنظيم موعد لأداء اليمين في مارس من العام الماضي ، وهو ما منح الموظفين شعورًا بأنهم على أعتاب مرحلة جديدة من الإنصاف الوظيفي، لكن المفارقة المؤلمة أن التنفيذ توقف عند حدود جزئية، فتمت الموافقة على مجموعة وحرمان أخرى، في صورة انتقائية تفتقر إلى التجرد وتناقض مبدأ المساواة الذي هو أساس العدالة الإدارية وصلت لتخيير البعض في اختيار المكان المناسب..! هذا التناقض يعيد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة حين تعطلت القرارات لسنوات بحجج واهية، ثم وُوجهت بالعرقلة عند خروجها للنور، وكأن الحق يمكن أن يُحبس في الأدراج إلى أجل غير معلوم.
إن العدالة لا تعرف الإنتقاء، ولا تقبل التجزئة، فهي إما أن تُطبق على الجميع أو تفقد معناها، والوزارة التي أعلنت رغبتها في الإستفادة من الباحثين في جميع المكاتب، والتي نظمت التدريب وحددت موعد أداء اليمين، لا يمكن أن تتراجع اليوم بحجة رأي قانوني متأخر يناقض ما صدر عن الفتوى والتشريع والتنظيم والإدارة، فالمسألة لم تعد مجرد إجراء إداري، بل أصبحت قضية ثقة في المؤسسات، وإشارة فارقة إلى مدى جدية الوزارة في إحترام وعودها وتطبيق القانون بلا تمييز كما انتهت إليه عمومية الفتوى والتشريع وكما سوف ينتهي أيضا في أحكام القضاء حول أحقية هؤلاء.
إن الأنظار اليوم تتجه إلى المستشار الجليل عدنان فنجري وزير العدل، الذي يملك وحده سلطة الحسم ووضع حد للتناقضات، وإعادة الإعتبار لمبدأ المساواة الذي هو جوهر العدالة، فالموظفون الذين أنهوا تدريبهم وأدوا ما عليهم من التزامات لا يجوز أن يُتركوا أسرى الإنتظار، ولا أن يُفتح باب الإنتقاء في حقوق اكتسبوها بالقانون وبجهدهم واعتمادهم الرسمي، وهم أولي أبناء القطاع، من آخرين معلوم ما تم لأجلهم منذ البداية حتي تخيرهم للمكان الحالي، إن القرار المنتظر ليس مجرد خطوة إدارية، بل هو اختبار حقيقي وقانوني، يحدد ما إذا كانت العدالة ستظل شعارًا يُرفع أم واقعًا يُطبق.
وأخيرًا وليس آخيرا ، يبقى الحق أمانة لا يجوز تعطيلها، والعدالة وعدًا لا يقبل التأجيل، إن حسم هذا الملف سيكون بمثابة رسالة بليغة إلى كل موظف ومواطن، بأن المؤسسات قادرة على الوفاء بعهودها، وأن القانون ليس نصًا جامدًا بل روحًا تُنفذ، وأن الإنصاف لا يُجزأ ولا يُختزل، ولعل القرار العادل المنتظر من وزير العدل يكون علامة مضيئة في سجل وزارة العدل، ودليلًا على أن الحق إذا تأخر لا يموت، بل ينهض في اللحظة الفاصلة ليعيد الثقة ويثبت أن العدالة، مهما طال الطريق، هي الغاية التي لا تُحجب ولا تُؤجل.
