في الحرب الأخيرة على لبنان، عشنا المشهد ذاته. الوجوه المذعورة، الحقائب المرتجلة، الأطفال الذين يسألون إلى أين نذهب، ولا جواب واضحاً سوى "بعيداً عن الخطر". يومها أيضاً لم نبحث عن بيت يشبه بيتنا، لم نسأل عن الطابق ولا الإطلالة ولا ترتيب الغرف، كل ما أردناه كان سقفاً يحمي، وباباً يُغلق، وجدراناً لا تتصدع مع كل صوت.

ظنّ بعضنا أن تلك التجربة ستبقى درساً قاسياً في الذاكرة، وأننا إذا مررنا بها مرة، فلن نسمح بتكرار قسوتها مرة أخرى. لكن اليوم، يعيش النازحون المشاعر نفسها، وربما أشدّ. الخوف ذاته، الحيرة ذاتها، والهرع نفسه نحو أي مساحة آمنة، ولو كانت بالكاد تُسمّى بيتاً.

الحرب لا تمنح خيارات كثيرة. تمنحك خيارين فقط: أن تقبل بما هو معروض"حتى لو كان خرابة"، أو أن تبقى حيث الخطر أقرب إليك من أنفاسك. وبين هذين الخيارين، ينشط سماسرة الأزمات بثقة لا تهتز. بيوت متداعية، جدران متشققة، رطوبة تأكل الطلاء، وأسعار تتضاعف كأن المعروض شقق فاخرة بمواصفات استثنائية.

 تعترض، فيأتيك الرد الوقح: "الطلب كبير… وإن لم يعجبك، هناك غيرك ينتظر".

في كل أزمة، تسقط الأقنعة سريعا، لا تعود الشعارات التي نسمعها عن الإنسانية والمواطنة قادرة على إخفاء الحقيقة، ولا العبارات المنمّقة على مواقع التواصل خلال المهرجانات والاحتفالات تكفي لستر الجشع. فالحروب، ليست مجرد أحداث عابرة، إنها اختبارات أخلاقية قاسية تكشف معادن الناس.

وسط مشاهد النزوح والبرد والخوف، وفي أيام يفترض أن تكون للرحمة والتكافل! يبرز وجه هؤلاء السماسرة الذين يحوّلون المأساة إلى فرصة ربح. عائلات تترك منازلها تحت وطأة القصف، تحمل ما تيسّر من متاع وذكريات، لتجد نفسها أمام سوق عقارية منفلتة، تُعرض فيها بيوت أقل من متواضعة بأسعار مضاعفة، لا لشيء إلا لأن أصحابها يعرفون أن الحاجة لا تفاوض.

ما تغيّر بين الحرب الماضية واليوم ليس المشهد، بل حدّته. النازحون اليوم يعيشون التجربة بذاكرة مثقلة، يعرفون الطريق، ويعرفون كم سيكلفهم الأمان المؤقت. يعرفون أن بعض الأبواب ستُغلق في وجوههم، وأن بعض "الفرص الذهبية" ستُعرض بأرقام فلكية لا تليق إلا بترف لا وجود له.

وفي المقابل، يعلو ضجيج آخر، تحليلات سياسية لا تنتهي، سجالات حول قرارات السلم والحرب، ومواقف تتبدل بتبدل الرياح!. كثيرون يتقنون فن التعليق من بعيد، لكن قلة فقط تجرؤ على توجيه أصابع الاتهام نحو اللاإنساني، نحو أولئك الذين يبتزون النازحين ويرفعون الإيجارات أضعافاً مضاعفة، فيما البيوت بالكاد تصلح للسكن.

إذا كانت السياسة ساحة خلاف دائم، وإذا كانت الحرب في منطقتنا قدراً مفروضاً بسبب ثرواتنا، فإن الإنسانية يجب أن تكون خارج هذا الخلاف. لا يحتاج الأمر إلى تنظير معقد أو خطابات مطوّلة، يكفي أن يُسأل سؤال بسيط وهو كيف يتحول بيت فارغ إلى أداة ضغط على عائلة مشرّدة لا حول لها ولا قوّة؟