تأتي ذكرى التاسع من مارس من كل عام، لا لتفتح جراح الفراق، بل لترمم فينا معاني العزة والشموخ، و هو يوم ليس ككل الأيام، يومٌ اختلطت فيه دماء القادة بدموع الأوفياء، ليرسموا معاً خارطة وطن لا يقبل الانكسار.
نحن اليوم لا نتحدث عن مجرد تاريخ في أجندة المناسبات الوطنية، بل نتحدث عن عقيدة راسخة في وجدان الجندي المصري، الذي يرى في الشهادة حياة، وفي التضحية واجباً مقدسًا. بين طيات هذا الحوار، نقتحم مساحات الصمت لنستمع إلى صدى البطولات التي سُطرت بمداد من نور على رمال سيناء وفي كل شبر من أرض مصر الغالية.
وفي ذكرى يوم الشهيد وبينما ترفرف أرواح شهدائنا حولنا، نفتح ملف الفداء مع ضيفتنا الكريمه السيدة صباح يوسف مصطفي والدة الشهيد البطل الرائد وائل محمد كمال صلاح
وفي ذكرى يوم الشهيد وبينما ترفرف أرواح شهدائنا حولنا، نفتح ملف الفداء مع ضيفتنا الكريمه السيدة صباح يوسف مصطفي والدة الشهيد البطل الرائد وائل محمد كمال صلاح
ما أجمل صفة كنتِ ترينها في الشهيد وائل؟
وائل كان مميزًا منذ صغره، وكان إنسانًا ملتزمًا ومسؤولًا حتى وهو طفل صغير، الحمد لله أنعم الله علينا به، وكان دائم التفوق في دراسته منذ المراحل الأولى، كان يحب الرياضة كثيرًا ويهتم بلياقته البدنية، وخلال المرحلة الثانوية كان يمارس رياضة الملاكمة، منذ ذلك الوقت كان هدفه واضحًا؛ أن يلتحق بـ الكلية الحربية المصرية، وعلى الرغم من حصوله على مجموع يؤهله للالتحاق بكلية الهندسة، فإنه اختار طريق خدمة الوطن من خلال القوات المسلحة، لأنه كان مؤمنًا أن الدفاع عن بلده هو رسالته الحقيقية.
كيف تعامل باقي أفراد الأسرة مع الفقد والحزن بعد استشهاده؟
كان والد وائل قد توفي قبل استشهاده بفترة، وكان وائل حينها ضمن قوات حفظ السلام في الكونغو، وقد تأثر كثيرًا بوفاة والده لأنه كان شديد التعلق به. بعد استشهاده كان الحزن كبيرًا داخل الأسرة، لكن كل فرد حاول أن يتحمل الألم بطريقته، مع الإيمان بقضاء الله وقدره.
ما الشيء الذي منحكِ القوة للاستمرار رغم ألم الفقد؟
وائل خدم في شمال سيناء لمدة تقارب السنتين والنصف، وكان قد أخبر أخاه وأخته بذلك، لكنهما اتفقا معه على عدم إخباري خوفًا عليّ من القلق، و كان أصغر أبنائي، لكن بعد وفاة والده تحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية تجاهي. الفقد لا يمكن لأي إنسان أن يصفه بالكلمات، بالنسبة لأخيه هيثم لم يكن مجرد أخ، بل كان صديقًا مقربًا جدًا، أما شقيقته الكبرى فكانت تعتبره مثل ابنها، لذلك كان خبر استشهاده مؤلمًا لها بشدة، ورغم ذلك كان أبنائي يحاولون التماسك أمامي حتى لا يزيدوا حزني، وفي النهاية نحن نستمد قوتنا من الإيمان بالله، ومن تفويض الأمر له في كل ما نمر به في حياتنا.
ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الشباب، وما القيم التي ترين ضرورة غرسها في نفوسهم؟
ليس الشباب فقط، بل الأطفال أيضًا يجب أن نغرس في نفوسهم حب الوطن منذ الصغر، خاصة داخل المدارس، و من المهم كذلك توعية الشباب بطبيعة الحروب الحديثة؛ فالحروب لم تعد تقتصر على السلاح فقط، بل أصبحت تعتمد على نشر الأفكار المتطرفة داخل عقول الشباب، بهدف زعزعة القيم الدينية والانتماء الوطني، و الشباب هم الجيل الذي سيحافظ على أمن واستقرار الوطن، وإذا نظرنا إلى أعمار كثير من الشهداء سنجد أنهم كانوا في سن صغيرة، لكنهم كانوا يحملون بداخلهم روح الأبطال الذين فضلوا التضحية بأرواحهم على أن تُرفع أي راية على شبر من أرض مصر.
برأيكِ ما السبل التي يمكن من خلالها تكريم الشهداء وتخليد تضحياتهم؟
أعظم تكريم للشهيد هو ما أعده الله له عنده، وهذا يمنحنا بعض العزاء بعد فراق أبنائنا، لأن أرواحنا تظل متعلقة بالأمل في أن يجمعنا الله بهم مرة أخرى، أما على المستوى الدنيوي فالدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وبدعم من القوات المسلحة المصرية، تقوم بدور كبير في تكريم أسر الشهداء، لكن بالنسبة لي ولعدد كبير من أمهات الشهداء الذين لم يتزوج أبناؤهم، نتمنى دائمًا أن تظل أسماؤهم حاضرة ومذكورة حتى لا ينساهم الناس، لأن الشهيد الذي ترك أبناءً يظل اسمه مستمرًا من خلالهم.
ماذا تعني لكِ كلمة «شهيد»؟
كلمة شهيد تحمل معاني كبيرة تجمع بين الفخر والعزة والألم في الوقت نفسه. لكنها في النهاية نعمة يختار الله بها من يشاء. الشهيد هو إنسان اختار الآخرة على الدنيا، وأحب وطنه أكثر من نفسه ومن حياته مع أسرته. ونحن نحمد الله ونشكره أنه اختارنا لنكون من أمهات الشهداء.
كيف تودين أن يخلّد الناس ذكرى الشهيد ويحافظوا على سيرته بين الأجيال؟
بعد استشهاد وائل عرفت الكثير من المواقف عنه التي لم أكن أعرفها من قبل، كنت أعلم أنه شاب محترم ومتربي ويخاف الله، لكنني سمعت قصصًا كثيرة عن وفائه وإخلاصه ومساعدته للناس، كان دائم الاستعداد لمساعدة أي شخص يحتاج إليه، يكفيني فخرًا أن ابني شهيد، وأن الله اختاره لهذه المنزلة. فالشهادة ليست مجرد شجاعة إنسانية، بل هي اختيار من الله، وهذا هو الشرف الأكبر.
