في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المصرية لتطوير المنظومة الصحية وإطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل، يعيش أهالي قرية "المنصورية" التابعة لمركز منشأة القناطر بمحافظة الجيزة مفارقة غريبة وصادمة.

فبين ليلة وضحاها، تحول مستشفى المنصورية المركزي — ذلك الصرح الطبي الكبير الذي كان يخدم أكثر من 300 ألف مواطن بالإضافة إلى القرى المجاورة — إلى مجرد "وحدة طب أسرة" تقدم خدمات بدائية، تاركةً الآلاف من البسطاء في مواجهة شبح المرض بلا مأوى طبي حقيقي.

الزائر لمبنى مستشفى المنصورية اليوم يصاب بصدمة؛ مبنى ضخم متسع، كان من المفترض أن يعج بالأطباء وغرف العمليات المجهزة والعيادات الخارجية بمختلف التخصصات، تحول بمرور الوقت وبسبب قرارات "التحويل الإداري" إلى ما يشبه "الخرابة" المهجورة في أجزاء كثيرة منه.

الأجهزة الطبية المعطلة، والأسِرّة الفارغة التي غطاها التراب، غابت عنها ملامح "المستشفى" وحلت محلها لافتة "مركز طب أسرة"، لتقليص الخدمات الطبية إلى حدها الأدنى (تطعيمات، تنظيم أسرة، وإسعافات أولية بسيطة)، وكأن الكثافة السكانية للمنطقة انكمشت، ولم تعد بحاجة إلى رعاية عاجلة أو غرف طوارئ!

يقول الحاج أحمد، أحد أهالي المنصورية، ونبرة الحسرة تملأ صوته: "المنصورية بلد كبيرة جداً وتخدم بلاد تانية حواليها، لما المستشفى تتقفل وتتحول لطب أسرة، يبقى إحنا اترميا في الشارع. لو حد جاله جلطة أو حادثة بالليل، بنضطر نجري بيه لمستشفى قصر العيني أو منشأة القناطر العام، والمسافة دي ممكن تخلي المريض يموت في الطريق".

أما "أم محمد"، سيدة مسنة التقيناها أمام بوابة المبنى، فتقول: "جئت بألم شديد في الصدر، فأخبروني هنا أنهم لا يملكون أجهزة رسم قلب أو عناية مركزة، وأن الخدمة المتاحة هي طب أسرة فقط. المستشفى تحول لخرابة لا تقدم سوى المسكنات، ونحن الفقراء لا نملك ثمن المستشفيات الخاصة".

يتساءل أهالي المنصورية ومنشأة القناطر: كيف يُترَك مبنى بهذا الحجم وهذه التكلفة ليتراجع دوره بدلاً من أن يتم تطويره ودعمه بالأجهزة والأطباء ليكون مستشفى مركزي متكامل؟

إن تحويل مستشفيات تكاملية أو مركزية إلى وحدات طب أسرة دون إيجاد بديل قوي وسريع في منطقة ذات كثافة سكانية ضخمة كالمنصورية، يعد تفريغاً للمنطقة من الأمان الصحي، ومخالفة صريحة لرؤية الدولة في توفير حياة كريمة للمواطنين.

يرفع أهالي المنصورية عبر هذا المقال استغاثة عاجلة إلى السيد وزير الصحة والسكان، والسيد محافظ الجيزة، بضرورة التدخل الفوري لإنقاذ مستشفى المنصورية.

المنصورية ليست مجرد قرية صغيرة، بل مدينة بأكملها تستحق مستشفى حقيقي يحمي أرواح أبنائها، لا مبنى ضخماً تملأه الأتربة ويحمل اسم "طب أسرة" بلا فاعلية