نشر حساب علي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، يحمل أسم "حياة زمان" ردا مدعما بالأدلة والبراهين الدامغة علي إدعاءات ومزاعم الدكتور يوسف زيدان بنفي واقعة " الفيل " من الأساس، حيث أستهل الحساب رده الدامغ، بالتالي:

تحولات "السوشيال ميديا" من التنوير إلى الصدمة.. قراءة علمية في تهافت إنكار الحادثة التاريخية


في فضاء "السوشيال ميديا" المفتوح، تحول تقديم الأقاويل المرسلة تحت غطاء "التنوير" إلى ظاهرة تستسهل الصدمة لجذب الانتباه. مؤخراً، أثار الدكتور يوسف زيدان جدلاً واسعاً بادعائه نفي واقعة "الفيل" من الأساس، زاعماً عدم وجود ما يُعرف بـ "عام الفيل" في التاريخ، ومعتبراً المسألة برمتها مجرد مبالغات أسطورية جرى اختراعها وتدوينها في العصر العباسي.

​إلا أن القراءة الفاحصة وتفكيك هذه الأطروحات يثبت أنها لا تنتمي إلى "التجديد المعرفي"، بل تمثل قراءة انتقائية تسقط أمام المنطق والتوثيق العلمي والآثاري.

​تفنيد "الإنكار الآثاري": ماذا يقول نقش مريغان؟

​يرتكز الادعاء القائل بأن النقوش اليمنية القديمة لم تذكر الفيل على تجاهل واضح للحقائق الأثرية؛ وعلى رأسها "نقش مريغان" الشهير الذي يعود لأبرهة الأشرم نفسه. يوثق هذا النقش الحملات العسكرية التي قادها أبرهة لإخضاع قبائل شمال وجنوب الجزيرة العربية.

​ومن المنظور العسكري والسياسي آنذاك، فإن أبرهة – كحاكم ممثل لمملكة أكسوم الحبشية الحليفة للإمبراطورية البيزنطية – كان يمتلك الفيلة كسلاح ردع استراتيجي ونفسي لترهيب قبائل العرب التي لم تعهد رؤية هذا الكائن. ولم يكن استخدام الفيلة بغرض السير بها طوال الرحلة في الرمال، بل كأداة هدم عسكرية حاسمة عند الوصول إلى الهدف المستهدف.

​اللوجستيات الجغرافية: دحض أسطورة "الموت عطشاً"

​أما الدفع بالاستحالة الجغرافية، والزعم بأن الفيل سيموت عطشاً في الصحراء، فهو قياس يفتقر إلى الدقة العلمية؛ فالجيوش القديمة لم تكن تتحرك بعشوائية في تيه الصحراء، بل تحركت حملة أبرهة عبر "طريق البخور الكهرماني"، وهو طريق تجاري دولي معروف، مطروق، ومؤمن لوجستياً.

​تتوزع على طول هذا الطريق الآبار، الواحات، محطات المياه، والصهاريج الضخمة لتخزين مياه الأمطار الممتدة من اليمن وحتى مشارف مكة. لقد سار الجيش في مسارات أودية وجبال تتوفر فيها سبل الحياة، تماماً كما تحركت جيوش الفرس والروم بآلاف الخيول والحيوانات في بيئات ذات طبيعة مشابهة.

الشهادة الصامتة: حجة النص والبيئة المكية

​يأتي الدليل القطعي من صميم المجتمع المكي ذاته ومن النص القرآني؛ فحين نزل الوحي متسائلاً بوضوح: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ»، كان الخطاب موجهاً مباشرة لأهل مكة وقريش الذين عاصروا الحادثة أو كان آباؤهم شهود عيان عليها.

​ولو كانت القصة مخترعة أو مجرد مجاز، لكان مشركو قريش – وهم أحرص الناس على تكذيب الدعوة الجديدة – أول من طعنوا في صحتها بالقول: "لم نرَ فيلاً ولم تأتنا حملة". إن صمتهم وإقرارهم بالحادثة، وتسمية أعوامهم بها، يمثل أكبر توثيق مادي وتواتري على حتمية الواقعة.

​المطب الفكري: محاولة تفكيك ثوابت السيرة

​إن الخطورة الحقيقية في هذا النمط من الإنكار تكمن في محاولة جر الوعي العام للطعن في ثوابت السيرة النبوية كاملة. فالمنظومة التاريخية للعرب لم تكن تعتمد تقويماً رقمياً، بل كانت تؤرخ بالوقائع العظمى مثل "بناء الكعبة" أو "عام الفيل".


​وارتباط ميلاد الرسول ﷺ بعام الفيل هو ارتباط تواتري وثقته الأمة جيلاً بعد جيل. وبالتالي، فإن التشكيك في وجود هذا العام والادعاء بأنه "خرافة عباسية" يحمل في طياته محاولة غير مباشرة للقول بأن سيرة النبي وميلاده هي أيضاً روايات مخترعة كُتبت لاحقاً؛ وهو ما يهدف إلى ضرب مصداقية التاريخ الإسلامي من جذوره.


​خلاصة القول: الرواية التاريخية والعلمية الراسخة لا تُهدم بدردشات تلفزيونية أو تفاعلية قائمة على الكسل المعرفي، فالتاريخ علم توثيقي صارم وليس مجرد وجهة نظر تُطرح في فضاءات "السلطنة" الفكرية.