تظل صفحات تاريخ الحركة الوطنية المصرية زاخرة بأبطال حفروا أسماءهم بمداد من نور في وجدان الأمة، ومن بين هؤلاء العظام يبرز اسم العارف بالله الإمام الشيخ أحمد أبو الوفاء الشرقاوي (1879-1961م)، القطب الصوفي الشهير وسليل البيت الحسيني، الذي لم تمنعه خلوته وتصوفه بمركز نجع حمادي بمحافظة قنا من قيادة أشرس جبهات النضال السياسي والوطني في جنوب مصر.

فقد تحولت ساحته الدينية إلى خلية عمل سياسي، ومأوى للثوار، ومنطلقاً لأبناء الصعيد للمطالبة بالجلاء والاستقلال.

في هذا التحقيق، نستعرض ملامح من سيرة "رائد الكفاح ضد بريطانيا في الصعيد" عبر وثائق نادرة ومواقف تاريخية سجلتها الذاكرة الوطنية.

سبه ومولده: 

هو الإمام العارف بالله الصوفي الزاهد الشيخ أحمد أبوالوفاء الشرقاوي ابن الإمام قدوة المحققين والشاعر الصوفي سيدي أحمد بن شرقاوي بن مساعد بن تائب بن خلف بن يوسف بن عبدالسلام بن جامع ويمتد نسبه إلي محمد بن أبي بكر الصديق "رضي الله عنه".

ألقاب الشيخ:

ولد الشيخ أبوالوفا الشرقاوي في مايو 1879م الموافق السابع عشر من جمادي الآخرة عام 1296هـ ، أطلق عليه مريدوه ألقابا عديدة منها " ملاذ العارفين وتاج المرشدين ، وأبو المعارف، وأبو الإسعاد " .


نشأته وتربيته العلمية: 

نشأ العالم الجليل الشيخ الشرقاوي في قرية كانت تسمي "دير سوادة" والذي أصبح اسمه حاليا "دير شرقاوي"، من قرى فرشوط بمحافظة قنا جنوب صعيد مصر في بيئة علمية تقية صالحة إمامها وشيخها والده مربي السالكين وقدوة العارفين أبوالمعارف الشيخ " أحمد بن شرقاوي" رضي الله عنه الداعي إلي الله والمجاهد في الله بما أفاد من علم وألَّف من كتب ، ونشر من دعوة، وهذَّب من طباع، ورفَّق من قلوب، وأدَّب من نفوس، وأحيى من سنن.


تلقى الشيخ أبوالوفاء الشرقاوي العلوم العربية والشرعية على أيدي كبار علماء عصره ممن كانوا يفدون على ساحة والده شيخ الطريقة الخلوتية الصوفية وعنه ورث أمر الطريقة، كما ورث عنه المال والثراء فقد كان الشيخ عاملا مؤثرا في حركة التقريب بين المذاهب وطبعت له مطولات في كتيبات جُمعت كتاب بعنوان أبوالوفاء الشرقاوي"حياته وآثاره". 

من محراب التصوف إلى ميدان الثورة.. كيف قاد سيدي "أبو الوفا" جموع الصعيد؟

لم يكن الشيخ أبو الوفا الشرقاوي نمطاً تقليدياً للمتصوف المنعزل؛ بل مزج في شخصيته بين العلم الشرعي والوعي السياسي المتقدم.

نشأة علمية متينة:

حفظ القرآن الكريم وتربى في حجر والده وتلقى العلم على يد كبار مشايخ الأزهر الشريف.

تأسيس الساحة الشرقاوية: 

جعل الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي، من ساحته بـ"نجع حمادي" منبراً للتوعية ونشر الفكر الوسطي وتوحيد الصف الوطني.

إشعال جذوة النضال:

مع اندلاع ثورة 1919، استطاع الشيخ أن يوقظ الهمم ويلهب مشاعر الرفض للمستعمر البريطاني في قنا والمحافظات المجاورة.

برقيات نادرة تفك شفرة العلاقة: سعد زغلول يطالب الشيخ بمواصلة النضال

تكشف الوثائق النادرة والخطابات المتبادلة المخزونة بدار الأسرة الشرقاوية بنجع حمادي عن عمق الصلة والروابط السياسية بين إمام الصعيد وقادة الحركة الوطنية في القاهرة:

برقيات الوفد:

خطابات عمرها أكثر من قرن تبادلها الشيخ مع قطبي الوفد؛ الزعيم سعد باشا زغلول ومحمود باشا سليمان.

تكليف رسمي بالصمود:

يتضح من برقية أرسلها سعد زغلول للشيخ شكره فيها على مجهوداته، ومطالبته بمواصلة تحريك الشارع الصعيدي في وجه المحتل.

زيارات تاريخية:

وثق التاريخ زيارة الوجهاء ورجال السياسة لساحة الشيخ، لتنسيق شؤون التعبئة وحشد الدعم الجماهيري لمطالب الوفد المصري.

مثلث القوة بـ"نجع حمادي".. تحالف "الشرقاوي" والأمير يوسف كمال ومحمود باشا سليمان

شهد قصر الأمير يوسف كمال بنجع حمادي فصلاً فريداً من التلاقي الفكري والوطني، فقد رتب محمود باشا سليمان (صديق العائلة وأحد أتباع الوالد) لقاءً جمع الشيخ بالأمير يوسف كمال، و تلاقت الأفكار الوطنية بين الشيخ الزاهد والأمير المثقف، وتحولت العلاقة إلى خطابات وزيارات متبادلة لبناء جبهة قوية بالصعيد، وقد  أسهم هذا التحالف النبيل في دعم المشروعات التنموية والتعليمية، ومقاومة سياسات التغريب ومحاولات الإنجليز تفتيت الجبهة الداخلية.

السلم الأهلي ومجالس الصلح.. عبقرية "الإمام" في وأد الفتن والثأر

إلى جانب جهاده ضد المحتل، وضع الشيخ أبو الوفا الشرقاوي أسس السلم المجتمعي في جنوب مصر، فقد قاد الشرقاوي،  بحكمته وهيبته مئات المجالس العرفية لإنهاء الخصومات الثأرية بين عائلات الصعيد، حيث تمتع بتقدير جارف من المسلمين والمسيحيين على حد سواء؛ حيث نعته الكنائس ورجال الدين المسيحي بحزن عميق عند وفاته عام 1961م.

إرث ممتد:

بقيت ساحته حتى يومنا هذا منارة لحفظ التراث، ومقصداً لفض النزاعات ونشر الأخلاق الرفيعة.