عادت قضية سلامة المباني من أخطار الحريق إلى الواجهة مجددًا، بعدما شهدت القاهرة والجيزة خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الحرائق المأساوية داخل عقارات سكنية، كان آخرها حادث مروّع في "أبراج المحمودية" بمنطقة العمرانية بمحافظة الجيزة، أودى بحياة خمسة أفراد من أسرة واحدة تفحمت جثامينهم، في مشهد أعاد فتح النقاش حول جدوى القوانين القائمة، ومدى إلزام العقارات السكنية فعليًا بتوفير وسائل الوقاية الأساسية كطفايات الحريق وأجهزة الإنذار المبكر. ورغم أن مصر تمتلك منظومة تشريعية وفنية معلنة لتنظيم هذا الملف، إلا أن تكرار الحوادث بهذا الشكل يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل المشكلة في غياب القانون، أم في الفجوة الواسعة بين النص وتطبيقه على أرض الواقع؟

أرقام تكشف حجم الأزمة

لم تعد حوادث الحريق داخل المباني السكنية استثناءً عابرًا، بل باتت تتكرر بمعدلات مقلقة تعكسها الإحصاءات الرسمية. فقد شهدت مصر خلال عام 2025 وحده أكثر من 51 ألف حريق، بزيادة تقارب 8.7% مقارنة بعام 2024 الذي سجل نحو 47 ألف حريق، وهي أعلى نسبة ارتفاع سنوي خلال السنوات الخمس الأخيرة. ولم تقتصر الحوادث على العقارات السكنية وحدها، إذ سجلت العاصمة خلال أسابيع قليلة حريقين منفصلين داخل منشآت صناعية غير مرخصة تعمل داخل عمارات سكنية، أسفرا عن مقتل 16 عاملًا وإصابة 17 آخرين، في واقعتين وُصفتا بأنهما نتاج غياب كامل لمعايير السلامة المهنية، من انعدام مخارج الطوارئ إلى تخزين مواد شديدة الاشتعال داخل المبنى نفسه.

الإطار القانوني القائم.. هل يكفي؟

من الناحية النظرية، لا تفتقر مصر إلى تشريع ينظم هذا الملف. فالكود المصري للحريق، المعتمد بموجب قانون الإسكان رقم 119، يحدد الاشتراطات الفنية لحماية المنشآت من أخطار الحريق، ويُلزم المهندسين الاستشاريين المصممين للمباني بتطبيقه والمراجعة عليه تحت مسؤوليتهم، على أن تتم المراجعة النهائية من خلال الإدارة العامة للحماية المدنية وفروعها بالمحافظات، للتأكد من استيفاء كل نوع من المباني للاشتراطات الخاصة به. كما تتوزع مسؤولية إصدار التراخيص بحسب طبيعة النشاط، فوزارة الصحة تختص بتراخيص المستشفيات، ووزارة السياحة بالمنشآت السياحية، بينما تتولى الوحدات المحلية الرقابة على المحال التجارية والأنشطة الإدارية، وهيئة التنمية الصناعية على المصانع.

غير أن هذا التنظيم الفني، وإن بدا شاملًا على الورق، يظل موجّهًا بالأساس إلى المباني الجديدة أو المرخصة رسميًا، بينما تبقى شريحة واسعة من العقارات القائمة، خصوصًا القديم منها أو المخالف، خارج نطاق أي مراجعة فعلية لالتزامها بهذه الاشتراطات.

من يراجع التطبيق على أرض الواقع؟

يكمن جوهر الإشكالية في آليات المتابعة أكثر منه في النص القانوني ذاته. فوجود كود فني يحدد ضرورة تركيب كاشفات الدخان وأنظمة الإنذار التلقائي وطفايات الحريق لا يعني بالضرورة تطبيقه ميدانيًا، خاصة في ظل محدودية الحملات التفتيشية الدورية على آلاف العمارات السكنية المنتشرة في المدن الكبرى. وتكشف وقائع الحرائق الأخيرة أن كثيرًا من الحوادث المميتة وقعت في مبانٍ تفتقر بالكامل لوسائل الإنذار والإطفاء الأساسية، أو في وحدات سكنية تحوّلت جزئيًا إلى أنشطة صناعية أو تجارية دون ترخيص، ما يجعلها خارج أي إطار رقابي من الأساس.

تحديات إلزام العمارات القديمة

يمثل التوافق بأثر رجعي أحد أعقد جوانب هذا الملف. فتجهيز عمارة سكنية قائمة بأنظمة إنذار وإطفاء متكاملة يستلزم تكلفة مالية قد لا يستطيع كثير من الملاك أو اتحادات الشاغلين تحمّلها، خصوصًا في الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تتكرر الحوادث بمعدلات ملحوظة. وفي غياب برامج دعم أو تمويل ميسر من الدولة لمساعدة الملاك على تركيب هذه الأنظمة، يظل الإلزام القانوني نظريًا في كثير من الأحيان، بينما يبقى العبء الأكبر على عاتق قوات الحماية المدنية التي تتدخل بعد وقوع الحريق لا قبله.

دروس مكررة من الحرائق الأخيرة

تتشابه تفاصيل معظم الحوادث الأخيرة إلى حد لافت: مخرج وحيد غير كافٍ يعيق الإخلاء، ممرات ضيقة أو مسدودة بعوائق، غياب كاشفات الدخان التي كانت لتمنح السكان دقائق ثمينة للهروب، وتأخر في اكتشاف الحريق حتى تصاعد الدخان بكثافة. وهي عناصر تتكرر سواء في حرائق المصانع غير المرخصة داخل العمارات السكنية، أو في حرائق الشقق السكنية الخالصة كواقعة العمرانية الأخيرة، ما يعزز الرأي القائل بأن غياب وسائل الإنذار المبكر والإطفاء الأولي، لا نقص الوعي وحده، هو ما يحوّل حرائق يمكن السيطرة عليها في مراحلها الأولى إلى كوارث بشرية.

بين ضبط الجودة ومكافحة الغش التجاري

تضاف إلى إشكالية التطبيق قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي جودة المعدات المتاحة في السوق. فقد اضطرت الحكومة في وقت سابق للرد رسميًا على تقارير تداولت عدم صلاحية طفايات الحريق المستخدمة في مصر، مؤكدة عبر وزارة التجارة والصناعة وجود رقابة على خطوط الإنتاج ومطابقتها للمواصفة القياسية المصرية الخاصة بطفايات الحريق. ومع ذلك، يظل ملف الطفايات المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات قائمًا، وهو ما نظّمه المشرّع من خلال قانون الغش والتدليس وقانون تنظيم صناعة أجهزة الإطفاء وتعبئتها وتداولها، بعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة لمن يثبت تورطه في تصنيع أو بيع معدات غير مطابقة.