قبل عام 1952، كانت الرياضة في مصر حكرًا على الطبقات العليا، تجمعات نخبوية في أندية خاصة، ومباريات تُقام في أماكن محصورة، حيث كان الهدف الأبرز هو الترفيه الاجتماعي لا التنافس الرياضي الحقيقي؛ ولكن مع قدوم ثورة يوليو، انقلبت الأوضاع رأسًا على عقب، وشهدت الرياضة المصرية تحولًا جذريًا لم تكن له سابقة، لم تعد مجرد هواية، بل أصبحت أداة سياسية واجتماعية لخدمة المشروع الوطني للدولة الجديدة.
كانت الأهداف التي وضعها مجلس قيادة الثورة للرياضة واضحة ومحددة، أولها، استخدام الرياضة كأداة لتعزيز الروح القومية والشعور بالهوية المصرية، لم يعد الفوز في المباريات مجرد انتصار رياضي، بل أصبح انتصارًا معنويًا للدولة الوليدة على الساحة الدولية، وفي هذا السياق، كان دعم الفرق والمنتخبات الوطنية أولوية قصوى.
كما كان هناك توجه قوي لنشر الرياضة بين مختلف فئات الشعب، لكسر احتكارها من قبل الطبقات الميسورة، تم إنشاء مراكز شباب في القرى والمدن لتمكين الجميع من ممارسة الرياضة، وهو ما ساهم في بناء جيل جديد من الرياضيين المصريين الذين لم تكن لديهم فرصة الظهور من قبل.
لم تكتفِ الثورة بالخطط النظرية، بل عملت على تحويلها إلى واقع ملموس، شهدت مصر بعد عام 1952 طفرة غير مسبوقة في البنية التحتية الرياضية، وكان أبرز إنجاز في هذا الصدد هو إنشاء ستاد القاهرة الدولي، الذي افتتح عام 1960، لم يكن الاستاد مجرد ملعب، بل كان رمزًا للعصر الجديد ولقوة الدولة، كما تم بناء العديد من المدن والمراكز الرياضية في مختلف المحافظات، وهو ما ساهم في انتشار الأنشطة الرياضية على نطاق واسع.
وفي خطوة مهمة لترسيخ سيطرة الدولة على القطاع الرياضي، تم إنشاء المجلس الأعلى لرعاية الشباب والتربية الرياضية لتوحيد جميع الهيئات الرياضية وتنظيمها، هذه الخطوة أنهت الفوضى التي كانت سائدة في القطاع، ومهّدت الطريق لتطوير استراتيجية رياضية وطنية.
لم يقتصر التغيير على إنشاء المنشآت، بل امتد ليشمل الأندية نفسها، تم تأميم الأندية ذات الطابع الأجنبي أو الملكي، مثل نادي المختلط الذي تحول اسمه إلى نادي الزمالك، وأصبح رؤساؤها من الشخصيات المصرية، وفي خطوة لربط الرياضة بالقضايا الوطنية، تم تنظيم مباريات لجمع التبرعات للمشروعات القومية، مثل مباراة الأهلي والزمالك الشهيرة التي أقيمت عام 1955 لتمويل تسليح الجيش.
هذا التحول الجذري في فلسفة الرياضة لم يقتصر تأثيره على كرة القدم فقط، بل امتد ليشمل جميع الألعاب الفردية والجماعية. لقد تغير شكل الرياضة المصرية إلى الأبد، من نشاط ترفيهي للنخبة إلى أداة أساسية في بناء الدولة وتوحيد الشعب.