تعيش فرنسا حالة من التوتر الاجتماعي والسياسي المتصاعد، مع تجدد الاحتجاجات الشعبية المناهضة لارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في موجة جديدة من المظاهرات التي امتدت إلى عدد من المدن الفرنسية، وسط إجراءات أمنية مشددة وتحذيرات حكومية من احتمالات اندلاع أعمال عنف وشغب.

وشهد اليوم السبت 31 أكتوبر تنظيم تحركات احتجاجية في مختلف أنحاء البلاد، في ثالث عطلة أسبوعية متتالية من التعبئة الشعبية، بمشاركة طلاب ونقابيين ونشطاء من حركة السترات الصفراء، إلى جانب مواطنين يعبرون عن استيائهم من الضغوط الاقتصادية وتراجع مستوى الخدمات العامة.

ووفقًا لوزارة الداخلية الفرنسية، كان من المقرر تنظيم نحو 150 تجمعًا وفعالية احتجاجية على مستوى البلاد، بالتزامن مع نشر نحو 70 ألفًا من أفراد الشرطة والدرك لتأمين المظاهرات ومنع تكرار مشاهد العنف والتخريب التي شهدتها البلاد خلال احتجاجات 17 أكتوبر الجاري.

غلاء المعيشة يشعل الغضب الشعبي

تأتي الاحتجاجات في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية على الأسر الفرنسية، مع ارتفاع تكاليف الطاقة والوقود والسكن والاحتياجات اليومية، وما يصاحب ذلك من شعور متزايد بتآكل القدرة الشرائية، خاصة لدى أصحاب الدخول المحدودة والشباب.

ولم تعد المطالب مقتصرة على خفض الأسعار أو زيادة الأجور، بل اتسعت لتشمل تحسين الخدمات العامة، وتوفير ظروف تعليمية أفضل، وزيادة الإنفاق على المدارس والجامعات، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.

وتعكس المشاركة الواسعة للطلاب والنقابات العمالية وحركة السترات الصفراء اتساع دائرة الغضب، وتحول التحركات من احتجاجات ذات مطالب اقتصادية واجتماعية محددة إلى حالة أوسع من الاعتراض على السياسات الحكومية وطريقة إدارة الأزمات المعيشية.

باريس في قلب المواجهة.. واستنفار أمني واسع

فرضت السلطات الفرنسية إجراءات أمنية استثنائية بالتزامن مع مظاهرات السبت، بعدما أثارت أحداث 17 أكتوبر مخاوف من خروج الاحتجاجات عن السيطرة، إثر وقوع أعمال تخريب ونهب وإلحاق أضرار بمحلات تجارية ومبانٍ عامة في عدد من المدن.

وفي العاصمة باريس، تصاعد الخلاف حول مسار المسيرة الاحتجاجية، بعدما رفض مجلس الدولة الفرنسي المسار الذي طالبت به النقابات بين ساحتي الباستيل والأمة، وأقر المسار البديل الذي حددته السلطات، انطلاقًا من بوابة بانيوليه وصولًا إلى بوابة شارنتون، بعيدًا عن بعض المناطق التجارية المركزية.

كما فرضت السلطات قيودًا ليلية في مناطق الجمهورية ولي هال، من الحادية عشرة مساءً حتى السادسة صباحًا خلال ليلتي السبت والأحد، في إطار الإجراءات الرامية إلى احتواء أي اضطرابات محتملة.

وفي الوقت نفسه، حذرت وزارة الداخلية من محاولات استغلال أجواء احتفالات الهالوين لتنظيم تجمعات غير مصرح بها أو إخفاء هويات المشاركين في أعمال عنف محتملة.

من الاحتجاج السلمي إلى المواجهات.. ماذا حدث في الأسابيع الماضية؟

لم تظهر الأزمة الحالية بصورة مفاجئة، بل جاءت نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية، أعقبتها موجات متتالية من الاحتجاجات خلال شهر أكتوبر.

ففي 17 أكتوبر، شهدت عدة مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، تسببت في أضرار واسعة للمحال التجارية والممتلكات العامة، وأثارت انتقادات بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع الاضطرابات.

أما في 24 أكتوبر، فقد شهدت البلاد جولة ثانية من المظاهرات، شارك فيها نحو 410 آلاف شخص وفقًا لأرقام وزارة الداخلية، بينما قدرت نقابة الكونفدرالية العامة للعمل «CGT» عدد المشاركين بنحو 800 ألف شخص.

ورغم أن غالبية المسيرات اتسمت بالطابع السلمي، سُجلت مواجهات في بعض المدن، من بينها نانت ورين ومرسيليا، وأعلنت السلطات توقيف 1314 شخصًا خلال تلك التحركات.

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع قاعدة المشاركة الشعبية، رغم القيود الأمنية وتغيير مسارات بعض المسيرات وحظر تجمعات أخرى.

الحكومة الفرنسية بين المطالب الشعبية وضغوط الاقتصاد

تواجه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون معادلة صعبة؛ فمن ناحية، تتزايد المطالب الشعبية باتخاذ إجراءات ملموسة لتخفيف الأعباء المعيشية وتحسين الخدمات العامة، ومن ناحية أخرى، تواجه الحكومة قيودًا مالية وضغوطًا متزايدة للسيطرة على عجز الموازنة والدين العام.

وتشير تقديرات وتقارير اقتصادية حديثة إلى أن الدين العام الفرنسي يقترب من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تتزايد فيه تكلفة الاقتراض وتتعثر المناقشات السياسية بشأن موازنة عام 2027.

وفي محاولة لاحتواء غضب الطلاب، أعلنت الحكومة حزمة من الإجراءات المتعلقة بالتعليم، تضمنت تخصيص قروض بقيمة 4 مليارات يورو لتجديد المدارس، واستثمارات بقيمة مليار يورو للجامعات، إلى جانب إجراءات تستهدف تحسين ظروف الدراسة وزيادة المنح الطلابية.

لكن هذه التعهدات لم تنجح حتى الآن في إنهاء الاحتجاجات، إذ يرى ممثلو الطلاب أن الاستجابة الحكومية لا تزال غير كافية، وأن الأزمة تتجاوز ملف التعليم لتشمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بصورة عامة.

الاقتصاد الفرنسي يدفع ثمن الاضطرابات

لا تقتصر تداعيات الأزمة على المشهد السياسي والأمني، بل امتدت إلى قطاعات اقتصادية مختلفة، خصوصًا التجارة والخدمات والمطاعم.

فقد اضطرت متاجر عديدة إلى إغلاق أبوابها أو تقليص ساعات العمل تحسبًا لأعمال النهب والتخريب، كما تراجعت حركة البيع والشراء في بعض المناطق التجارية، وسط مخاوف أصحاب الأعمال من تكرار الخسائر.

وأشارت تقارير صحفية فرنسية إلى أن نحو 2500 متجر تضرر خلال موجات الاضطرابات السابقة، وأن قرابة 600 متجر لم يتمكن من إعادة فتح أبوابه حتى وقت نشر تلك التقارير.

وتتزامن هذه التطورات مع مؤشرات اقتصادية غير مشجعة، إذ تراجعت ثقة الشركات، وتزايدت المخاوف من ضعف الاستهلاك والاستثمار، في ظل توقعات نمو اقتصادي لا تتجاوز 0.4% خلال عام 2026، وفق تقديرات اقتصادية أوردتها تقارير صحفية حديثة.

ويزيد ارتفاع أسعار الطاقة من تعقيد المشهد، باعتباره عاملًا إضافيًا يضغط على ميزانيات الأسر ويرفع تكاليف الإنتاج والتشغيل.

هل تتسع الأزمة إلى مواجهة سياسية؟

تحمل الاحتجاجات الحالية أبعادًا سياسية تتجاوز المطالب المعيشية المباشرة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في عام 2027.

فقد أصبحت طريقة تعامل الحكومة مع الغضب الشعبي، وملفات القدرة الشرائية والخدمات العامة والأمن، عناصر مؤثرة في النقاش السياسي الداخلي.

كما أن انضمام النقابات والحركات الطلابية ومجموعات من حركة السترات الصفراء يعكس تداخل المطالب الاجتماعية مع حالة الاستقطاب السياسي في البلاد.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات ضرورة الحفاظ على الأمن وحماية الممتلكات العامة والخاصة، تتمسك النقابات والجهات المنظمة بحق المواطنين في التظاهر السلمي والتعبير عن مطالبهم، محذرة من أن القيود الأمنية لا تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت المواطنين إلى الشارع.

المشهد إلى أين؟

تظل فرنسا أمام مرحلة دقيقة، في ظل استمرار الاحتجاجات واتساع نطاق المطالب الشعبية، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية ومالية وتحديات سياسية متزايدة.

ومن المنتظر أن تمثل التحركات النقابية والعمالية المقرر تنظيمها في الخامس من نوفمبر المقبل محطة جديدة لقياس حجم الغضب الشعبي ومدى قدرة الحكومة على احتواء الأزمة.

وبين مطالب المواطنين بتحسين مستوى المعيشة، وتمسك الحكومة بضبط الإنفاق العام والحفاظ على الاستقرار، تبدو الأزمة الفرنسية أبعد من كونها موجة احتجاجات عابرة ضد ارتفاع الأسعار؛ فهي اختبار لمدى قدرة المؤسسات الفرنسية على استعادة الثقة الاجتماعية وتحقيق توازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

الجدير بالذكر أن ما يحدث في فرنسا حاليًا ليس مجرد احتجاج على غلاء المعيشة، بل أزمة متعددة الأبعاد تتشابك فيها الضغوط الاقتصادية مع تراجع الثقة في السياسات العامة، وملفات التعليم والخدمات والأمن.

وستظل قدرة الحكومة على تقديم حلول ملموسة، وليس مجرد إجراءات أمنية أو تعهدات مؤقتة، عاملًا أساسيًا في تحديد مسار الأزمة خلال الفترة المقبلة.