في احتفال عالمي مهيب، شهد العالم أمس الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، ذلك الصرح الثقافي والإنساني الفريد الذي يُعد أضخم متحف أثري في العالم، ومشروعًا قوميًّا طال انتظاره ليكون بحق هدية مصر إلى الإنسانية ورسالة سلام وحضارة من أرض التاريخ إلى شعوب الأرض كافة.
منذ اللحظات الأولى للافتتاح، خيمت على الأجواء روح الفخر والانبهار، إذ توافد قادة وزعماء وملوك ورؤساء دول من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في هذا الحدث التاريخي غير المسبوق، الذي يجسد تقدير العالم العميق للحضارة المصرية القديمة وإسهاماتها في مسيرة الإنسانية. وكان من بين الحضور عدد من الشخصيات الدولية البارزة وممثلي المنظمات الثقافية العالمية مثل منظمة اليونسكو والمجلس الدولي للمتاحف، إلى جانب وفود رسمية من الدول العربية والأفريقية والأوروبية والآسيوية، في مشهد جسّد وحدة الإنسانية حول إرثها المشترك.
يقع المتحف المصري الكبير على مقربة من أهرامات الجيزة الخالدة، في موقع اختير بعناية ليجمع بين عظمة الماضي وروعة الحاضر. ويمتد المتحف على مساحة تقارب 500 ألف متر مربع، ليكون مركزًا عالميًا للحضارة والمعرفة. وتضم قاعاته ومناطقه العرضية أكثر من مائة ألف قطعة أثرية، تغطي مختلف العصور المصرية منذ ما قبل التاريخ مرورًا بعصور الدولة القديمة والوسطى والحديثة، وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني.
ومن بين أبرز مقتنيات المتحف مجموعة الملك توت عنخ آمون الكاملة، التي تُعرض لأول مرة في مكان واحد وبأسلوب عرض متطور يدمج بين التكنولوجيا الحديثة والإضاءة الذكية لخلق تجربة بصرية استثنائية للزائرين. كما يضم المتحف تمثال الملك رمسيس الثاني المهيب الذي يستقبل الزائرين في البهو العظيم، بالإضافة إلى العديد من المومياوات الملكية والكنوز الفرعونية التي تروي قصة الإنسان المصري منذ فجر التاريخ وحتى العصر الحديث.
لا يقتصر دور المتحف المصري الكبير على كونه مجرد مخزن للآثار، بل هو مركز ثقافي وتعليمي متكامل يضم قاعات للمحاضرات ومراكز للبحث والترميم ومناطق للأنشطة الثقافية والفنية. إنه منصة حوار حضاري مفتوح بين الشعوب، ورسالة متجددة بأن مصر، برغم مرور آلاف السنين، ما زالت قادرة على الإبداع والعطاء وبناء المستقبل على أسس من المجد العريق.
وخلال الحفل الرسمي للافتتاح وبكلمة مؤثرة ومعبرة ألقاها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أكد فيها أن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس فقط حدثًا مصريًا، بل هو حدث إنساني عالمي يعبر عن إيمان مصر العميق بدورها الحضاري والإنساني، وحرصها على تقديم تراثها كجسر للتواصل بين الأمم. وكد سيادته إن المتحف المصري الكبير هو رسالة من مصر إلى العالم، عنوانها السلام والتفاهم والإبداع الإنساني، ودعوة للتأمل في عظمة الإنسان وقدرته على البناء والخلود.
وشهد الحفل عرضًا فنيًا عالميًا مبهراً جمع بين الإبهار البصري والفني والتقنيات الحديثة، مزج فيه الفن المصري الأصيل بالإبداع المعاصر، فكانت لحظة تدشين المتحف بمثابة احتفال بالإنسانية نفسها، وبقدرتها على صون الجمال والذاكرة عبر العصور.
وبهذا الافتتاح التاريخي، تضع مصر حجر الأساس لعصر جديد من التفاعل الثقافي والسياحي العالمي، مؤكدة مكانتها كحاضنة للحضارة ووجهة دائمة لعشاق التاريخ والفن من مختلف أرجاء العالم. لقد أصبح المتحف المصري الكبير ليس فقط رمزًا لمجد الماضي، بل بوابة إلى المستقبل، تحمل بين جدرانها رسالة خالدة من أرض الكنانة إلى العالم: أن الحضارة المصرية باقية، تنبض بالحياة، وتلهم الأجيال على مر العصور.
