تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم موجات التطوير المؤسسي، حيث نجحت وزارة العدل في إحداث نقلة نوعية في منظومة الشهر العقاري والتوثيق، عبر تحديث شامل للبنية التحتية، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع نطاق التحول الرقمي، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي ببناء جهاز حكومي عصري يواكب متطلبات الجمهورية الجديدة.
تحول رقمي شامل… وخدمات بلا أوراق
استطاعت الوزارة أن تتجاوز العقبات التقليدية التي كانت تعوق سرعة إنجاز المعاملات العقارية، من خلال ربط مأموريات الشهر العقاري إلكترونيًا، وإتاحة المستندات المطلوبة عبر شبكة موحدة بين الجهات الحكومية، بما يضمن تقديم خدمات أسرع وأكثر دقة، ويقلل الاعتماد على الأوراق، ويوفر بيئة عمل حديثة للمواطنين والمستثمرين على حد سواء.
كما توسعت الوزارة في إنشاء مأموريات جديدة داخل المدن والمجتمعات العمرانية الحديثة، بما يحقق انتشارًا جغرافيًا واسعًا يسهّل الوصول إلى الخدمات، ويعزز من شفافية التعاملات العقارية.
تنظيم الثروة العقارية… وتعزيز الثقة في السوق
تأتي هذه الجهود في وقت تُعد فيه الثروة العقارية أحد أهم ركائز الاقتصاد المصري، إذ تتجاوز قيمتها 10 تريليونات جنيه، ويبلغ عدد العقارات أكثر من 43 مليون عقار. ويُعد تسجيل الملكية خطوة محورية لضمان الحقوق، وتوفير بيانات دقيقة عن الموقف القانوني للعقارات، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار السوق وجاذبيتها.
وتبرز أهمية المجتمعات العمرانية الجديدة — مثل العاصمة الإدارية ومدينة العلمين — باعتبارها مناطق واضحة الملكية، ما يجعلها الأكثر جذبًا للاستثمار العقاري المحلي والأجنبي، خاصة بعد إزالة العقبات التي كانت تعرقل توثيق المعاملات في الماضي.
سوق عقارية ضخمة… وتوقعات بنمو متسارع
تشير التقديرات إلى أن حجم السوق العقارية المصرية يتجاوز 3.5 تريليون جنيه، منها 2.5 تريليون جنيه للعقارات السكنية، ونحو تريليون جنيه للعقارات التجارية. وتتوقع وكالة "فيتش" العالمية أن يصل حجم السوق إلى 5.2 تريليون جنيه بحلول 2028، مدفوعًا بجهود الدولة في تحديث التشريعات، وإنشاء المدن الجديدة، وإطلاق منصة عقارية متكاملة، وتأسيس مكتب لتملك الأجانب.
هذه الخطوات مجتمعة تعزز مناخ الاستثمار، وتفتح الباب أمام التوسع في التصدير العقاري الذي يحتل المرتبة الثانية عالميًا، خاصة أن العقار المسجل يُعد محركًا ماليًا مهمًا، ويزيد من قدرة المستثمرين على التمويل والتداول.
جمهورية جديدة… وخدمات حكومية بمعايير عالمية
تؤكد هذه التطورات أن الدولة المصرية تسير بخطى ثابتة نحو بناء منظومة عقارية حديثة، تعتمد على الرقمنة والحوكمة، وتوفر خدمات متميزة تليق بالمواطن والمستثمر، وتدعم الاقتصاد الوطني عبر تنشيط سوق التمويل العقاري، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الثقة في بيئة الاستثمار.
إن ما تحقق في ملف الشهر العقاري ليس مجرد تطوير إداري، بل هو تحول استراتيجي يرسخ أسس الجمهورية الجديدة، ويضع مصر في موقع متقدم على خريطة الاستثمار العقاري الإقليمي والدولي.
