على امتداد قرن كامل، ظل مبنى ديوان الشهر العقاري والتوثيق برمسيس شاهدًا صامتًا على تحولات الدولة المصرية، وحارسًا أمينًا لذاكرة الوطن القانونية والعمرانية.

ذلك الصرح الذي يقف شامخًا في قلب القاهرة، ليس مجرد مبنى إداري، بل قطعة نادرة من تراث مصر الحديث، تحمل بين جدرانها تاريخًا ممتدًا من الوثائق والعقود التي تحفظ حقوق المصريين وتوثّق مسيرة دولتهم عبر الزمن.

من “دار الرهونات والتسجيلات” إلى مصلحة الشهر العقاري… رحلة تأسيس دولة القانون

تعود البدايات إلى 25 أبريل 1922، حين وافق مجلس الوزراء المصري على إدخال نظام السجلات العقارية لأول مرة في البلاد، تحت مسمى “دار الرهونات والتسجيلات”.

وفي الموقع ذاته القائم اليوم بشارع رمسيس – الذي كان يُعرف سابقًا بشارع الملكة نازلي – بدأ تشييد المبنى الحالي عام 1924، ليكتمل في يناير 1926، كأحد أهم مؤسسات العدالة التابعة للمحاكم المختلطة آنذاك.


ومع صدور القانون رقم 114 لسنة 1946، انتهت تبعية قلم الرهون والتسجيلات للمحكمة المختلطة، ليولد اسم “مصلحة الشهر العقاري والتوثيق” رسميًا عام 1947، بالتزامن مع صدور قرار تنظيم أعمال التوثيق. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الكيان ركيزة أساسية في منظومة العدالة المصرية، ومرجعًا رسميًا لحفظ الملكيات والعقود والوثائق.

تحفة معمارية على طراز النيوكلاسيك… مبنى يحكي تاريخ القاهرة

شُيّد المبنى على أنقاض النادي الوطني الرياضي، وجاء تصميمه على طراز النيوكلاسيك الإنجليزي مع لمسات من الباروك، ليمنح القاهرة واحدًا من أجمل مبانيها التراثية.


يتميز المبنى بثلاث واجهات تطل على شوارع رمسيس و26 يوليو وعبد الخالق ثروت، وبفرنتون ضخم ورواق معمد وشرفات وبلكونات ذات زخارف حجرية دقيقة، إضافة إلى شعار المملكة المصرية القديم المزين للهلال والثلاث نجوم على الواجهة الرئيسية.


هذا الطراز المعماري الفريد جعل المبنى أقرب إلى القصور الإنجليزية في عصر النهضة، لا مجرد مؤسسة حكومية، ليصبح جزءًا من الهوية البصرية للقاهرة الحديثة.

أرشيف مصر القومي… ذاكرة وطن محفوظة بين الجدران

لا تكمن أهمية المبنى في جماله المعماري فحسب، بل في ما يحتويه من كنوز وثائقية. فهو يضم سجلات وعقود بيع وشراء تمتد لمئات السنين، تمثل سجلًا موثقًا لتاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي والعمراني.  
إنه أرشيف حيّ يروي حكايات المصريين، ويعكس تطور الدولة عبر العصور، ويُعد أحد أهم مصادر التوثيق القومي.

1946… عام مفصلي في تاريخ العدالة المصرية

شهد عام 1946 ميلاد اثنين من أهم مؤسسات العدالة في مصر:  

مجلس الدولة المصري، مصلحة الشهر العقاري والتوثيق في عهد الملك فاروق، وبجهود وزير العدل آنذاك المستشار محمد كامل مرسي باشا، الذي كان صاحب رؤية واضحة لتطوير منظومة العدالة وفق النموذج الفرنسي، ما جعل هذا العام نقطة تحول في تاريخ القضاء المصري الحديث.

ختامًا بعد مرور أكثر من مئة عام، لا يزال مبنى الشهر العقاري والتوثيق برمسيس شاهدًا على رحلة مصر نحو دولة القانون، وواحدًا من أهم معالمها التراثية التي تستحق الحفاظ والاحتفاء.  
إنه ليس مجرد مبنى، بل ذاكرة وطن، ومرآة تعكس تطور المجتمع المصري، وركن أصيل من أركان العدالة التي قامت عليها الجمهورية الحديثة.