في قلب المواجهة – «عين الصقر» الأمريكية وحرب واشنطن على داعش في سوريا (ديسمبر 2025)
في صباح يومٍ ما قبل الأخير من عام 2025، ودون إعلان حربٍ تقليدية أو قرعٍ لطبول المواجهة الكبرى، شنت القوات المسلحة الأمريكية ضربات جوية ومدفعية واسعة استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في عمق الجغرافيا السورية، ضمن عملية «عين الصقر». تحركٌ أعاد إلى الواجهة حرب أمريكا على داعش في سوريا، صراعٌ ظن كثيرون أنه انطفأ، بينما يراه المحللون أحد أكثر التحركات العسكرية الأمريكية وضوحًا وحسمًا ضد التنظيم منذ سنوات.
التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل جاء كردٍ مباشر على هجوم نفذه تنظيم داعش في الثالث عشر من ديسمبر بالقرب من مدينة تدمر، وأسفر عن مقتل جنديين أمريكيين ومدني يعمل مترجمًا، إلى جانب إصابة آخرين أثناء تأدية مهامهم. حادثة مثّلت أول خسائر بشرية أمريكية في سوريا منذ عام 2024، وكانت كافية لإعادة فتح ملف المواجهة العسكرية على مصراعيه.
عقب الهجوم، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية إطلاق عملية عسكرية تحت اسم «عين الصقر»، استهدفت أكثر من سبعين موقعًا تابعًا لتنظيم داعش في مناطق متفرقة شملت بادية حمص، ودير الزور، وأطراف الرقة. العملية اعتمدت على مزيج من الطائرات المقاتلة المتقدمة، والمروحيات الهجومية، والقذائف المدفعية، إلى جانب ذخائر دقيقة التوجيه، في محاولة لتوجيه ضربة مركّزة لا تكتفي بالرد، بل تسعى إلى إنهاك ما تبقى من قدرات التنظيم ومنع إعادة تمركزه.
البيانات الرسمية الصادرة من واشنطن حملت نبرة حازمة لا تخلو من الرسائل السياسية. فقد شدد وزير الحرب الأمريكي على أن ما جرى في إطار عملية «عين الصقر» ليس مجرد رد فعل عابر، بل تعبير واضح عن سياسة عدم التساهل مع الإرهاب، مؤكدًا أن حماية الجنود الأمريكيين والشركاء في المنطقة تظل أولوية لا تقبل التراخي، وواصفًا الضربات بأنها رد انتقامي مباشر، لا مقدمة لحرب جديدة.
اللافت في المشهد كان الحديث عن تعاون غير متوقّع. إذ أكد الرئيس الأمريكي أن الحكومة السورية تدعم الضربات التي تستهدف مواقع داعش داخل الأراضي السورية، في تطور يحمل دلالات سياسية عميقة، ويعكس تغيرًا دقيقًا في مسار العلاقة بين الجانبين بعد سنوات طويلة من القطيعة والتوتر، وهو ما أعاد طرح أسئلة حول مستقبل التنسيق الأمني في ملف مكافحة الإرهاب.
استراتيجيًا، تكشف هذه التطورات عن عدة رسائل متداخلة، فالولايات المتحدة تؤكد مجددًا أن التزامها بمحاربة التنظيمات الإرهابية لم ينتهِ بانحسار نفوذ داعش الميداني، وأن الضربات الجوية الأمريكية في سوريا تعكس رغبة واضحة في إعادة ضبط معادلة مكافحة الإرهاب دون الانزلاق إلى حرب شاملة. كما أن أي شكل من أشكال التنسيق مع دمشق يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بخريطة النفوذ الإقليمي ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.
خبراء عسكريون يرون أن تنظيم داعش، رغم خسارته لمعظم موارده وقدرته على السيطرة، لم يفقد تمامًا القدرة على الحركة، لكنه لم يعد القوة الإقليمية التي أرعبت المنطقة قبل سنوات. العمليات الأخيرة، بحسب هؤلاء، تستهدف تعميق الضغط على الخلايا المتناثرة في الصحاري والمناطق النائية، ومنعها من التقاط الأنفاس أو إعادة تنظيم الصفوف.
ويرى مراقبون أن الهدف الأمريكي من عملية «عين الصقر» لم يعد يقتصر على تدمير التنظيم عسكريًا، بل يمتد إلى قطع الطريق أمام أي محاولات لإعادة إنتاجه في صورة جديدة، أو استغلال الفراغات الأمنية في مناطق النفوذ المتداخلة.
ختامًا، ما يجري في سوريا اليوم لا يمكن اختزاله في غارات جوية أو بيانات عسكرية عابرة، بل هو فصل جديد في حرب طويلة ضد الإرهاب. حرب تتغير أدواتها، لكن لا تتغير رسائلها. وبينما تبقى أسئلة المستقبل مفتوحة، تظل الرسالة الأمريكية واضحة: الإرهاب، حتى في أكثر صوره تلاشيًا، لن يُترك دون مواجهة.
