بينما تنص قوانين "الفيفا" بوضوح على فصل السياسة عن الرياضة، تأتي مواجهات المنتخبين السويسري والصربي لتثبت أن "المستطيل الأخضر" ليس دائماً بمنأى عن نيران الجغرافيا والتاريخ.. فخلف كل مباراة تجمع الطرفين، يكمن صراع "هوية" يعود لسنوات الحرب في البلقان، وتحديداً قضية استقلال كوسوفو، التي تحولت من أروقة الأمم المتحدة إلى شباك المرمى.
تعود جذور التوتر الرياضي العلني إلى مونديال روسيا 2018، حين سجل ثنائي المنتخب السويسري، "غرانيت تشاكا" و"شيردان شاكيري"، هدفين في مرمى صربيا.. لم يكن الفوز هو الحدث الوحيد، بل طريقة الاحتفال؛ حيث شكل اللاعبان بأيديهما "حركة النسر المزدوج"، وهو الرمز القومي لعلم ألبانيا.
هذه الحركة لم تكن مجرد احتفال رياضي، بل كانت رسالة سياسية مشفرة لبلغراد.. تشاكا وشاكييري ينحدران من أصول "ألبانية-كوسوفية"، وعائلاتهما كانت من بين مئات الآلاف الذين هُجروا أو تضرروا من النزاع الدامي مع صربيا في التسعينيات. بالنسبة للصرب، كانت الحركة "استفزازاً قومياً"، بينما رآها اللاعبان تكريماً لجذورهما الممتدة في إقليم كوسوفو الذي أعلن استقلاله عن صربيا في 2008، وهو الاستقلال الذي لا تزال صربيا ترفض الاعتراف به.
لم يتوقف الصراع عند حدود 2018؛ ففي مونديال قطر 2022، تجددت المواجهة وتصاعدت حدة التوتر.. قبل انطلاق صافرة البداية، رُصد في غرفة ملابس المنتخب الصربي علم يضم خريطة كوسوفو مدمجة في حدود صربيا مع عبارة "لن نستسلم"، ما استدعى تحقيقاً فورياً من "الفيفا".
أثناء المباراة، تحولت الأرضية إلى ساحة شجار جسدي ولفظي بين اللاعبين، ووصل الأمر بـ "تشاكا" إلى ارتداء قميص يحمل اسم "يشاري" عقب الفوز، وهو اسم يرتبط في الذاكرة الصربية بقادة جيش تحرير كوسوفو الذين تعتبرهم بلغراد "إرهابيين"، بينما يراهم الألبان أبطالاً للتحرير.
تعتبر سويسرا نموذجاً فريداً في هذا الصراع؛ فهي الدولة التي احتضنت آلاف المهاجرين من منطقة البلقان، لدرجة أن قوام منتخبها الوطني بات يعتمد بشكل كبير على لاعبين من أصول أجنبية.. هذا التنوع جعل من "المنتخب السويسري" طرفاً غير مباشر في قضية سياسية تبعد عنه آلاف الكيلومترات.
الخلاف السويسري-الصربي في كرة القدم ليس نتاجاً لعداء رياضي تقليدي، بل هو انعكاس لفشل السياسة في غلق جروح الماضي. وبينما تحاول المؤسسات الرياضية فرض العقوبات والغرامات، يظل "التاريخ" هو المحرك الأساسي للاعبين والجماهير على حد سواء.
ستظل مباريات سويسرا وصربيا تُصنف دائماً كـ "مواجهات عالية المخاطر".. فهي تذكر العالم بأن كرة القدم، وإن كانت لعبة، إلا أنها تحمل في طياتها صرخات المظلومين، وأحلام الاستقلال، وأوجاع الحروب التي لا تنطفئ بانتصاف الوقت أو صافرة النهاية.
