في الماضي، كان اكتشاف المواهب الرياضية في مصر رهينًا بالصدفة أو المجهودات الفردية داخل الأندية الكبرى، أما اليوم، فقد انتقل الملف إلى طاولة "الأمن القومي" وبناء الإنسان، حيث تتبنى الدولة المصرية رؤية شاملة لتحويل قطاع الناشئين والبراعم من مجرد "نشاط ترفيهي" إلى مشروع استثماري ورياضي ضخم يهدف إلى وضع مصر على خارطة القوى الرياضية العالمية.
لم يعد الاهتمام مقتصرًا على القاهرة والإسكندرية؛ بل امتدت يد التطوير لتصل إلى القرى والنجوع عبر "المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي".. تهدف هذه المبادرة التي ترعاها وزارة الشباب والرياضة إلى التنقيب عن الكنوز البشرية في مختلف الألعاب (أثقال، مصارعة، تايكوندو، وألعاب قوى) وتوفير رعاية علمية وغذائية وطبية للموهوبين منذ سن مبكرة، هذا التوجه يعكس فلسفة سياسية جديدة ترى أن "الاستثمار في البشر" هو الاستثمار الأبقى، وأن إعداد بطل أولمبي يبدأ من سن السابعة وليس قبل البطولة بعام واحد.
أحد أبرز ملامح اهتمام الدولة هو الانفجار الإنشائي في "مراكز الشباب" وتطويرها لتصبح أندية مصغرة تخدم ملايين البراعم، لم تعد هذه المراكز مجرد مساحات متهالكة، بل تحولت عبر مبادرات مثل "حياة كريمة" إلى ملاعب مجهزة بالنجيل الصناعي، وصالات مغطاة، وحمامات سباحة. الهدف السياسي والاجتماعي هنا واضح وهو حماية النشء من الأفكار المتطرفة والانحراف السلوكي عبر توفير بيئة رياضية صحية، ودمجهم في أنشطة تعزز قيم الانتماء والعمل الجماعي.
الرياضة في "الجمهورية الجديدة" هي القوة الناعمة التي تحصن عقول المستقبل، وفي عهد جديد للاكتشاف ما يميز التحرك الحالي هو الاعتماد على "العلم".. لم يعد المدرب يعتمد على "العين المجردة" فقط، بل دخلت القياسات الفسيولوجية والجسمانية في اختيار البراعم، لضمان توجيه كل طفل للرياضة التي تناسب تكوينه البدني، كما برزت مسابقات مثل "كابيتانو مصر" كنموذج يدمج بين الإعلام والرياضة لتسليط الضوء على المواهب المدفونة في المحافظات، مما خلق حالة من الشغف القومي لدى الأطفال وأسرهم.
التحديات والطموح رغم هذه الجهود، يبقى التحدي الأكبر هو الاستمرارية والتمويل، لذا، تسعى الدولة لإشراك القطاع الخاص في رعاية هؤلاء الأبطال منذ الصغر، وتحويل قطاعات الناشئين في الأندية إلى "أكاديميات إنتاجية" تصدر المواهب للخارج، على غرار النماذج الأوروبية الناجحة.
اهتمام الدولة بالبراعم والنشء ليس مجرد رفاهية، بل هو قرار سيادي لبناء جيل قوي بدنياً وذهنياً، فكل ملعب يُفتتح في قرية صغيرة، وكل بطل صغير يتم احتضانه اليوم، هو بمثابة "استثمار طويل الأجل" سيجني ثمارة الوطن في منصات التتويج الدولية، وفي بناء مجتمع شاب قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
