مع حلول العاشر من شهر المحرم من كل عام هجري، تتجدد في مصر والعالم الإسلامي مظاهر الاحتفاء بيوم عاشوراء، الذي يحمل دلالات دينية وتاريخية متعددة، إلا أن طبق "العاشوراء" أو "البليلة" يظل القاسم المشترك بين ملايين الأسر التي تحرص على إعداده وتقديمه في هذه المناسبة.

ورغم بساطة مكوناته، فإن طبق العاشوراء يختزن وراءه تاريخًا طويلًا يمتد عبر حضارات وعصور مختلفة، ما بين روايات دينية وتراث شعبي وعادات اجتماعية متوارثة، جعلت منه واحدًا من أشهر الأطعمة المرتبطة بالمناسبات الدينية في مصر والمنطقة.

أصل التسمية.. العاشر من المحرم وليس عشرة مكونات

يرتبط اسم "العاشوراء" مباشرة بيوم عاشوراء الذي يوافق العاشر من شهر المحرم، وهو ما يؤكده أستاذ التاريخ الإسلامي الدكتور أيمن فؤاد، موضحًا أن تسمية الطبق جاءت نسبة إلى اليوم الذي يُتناول فيه، وليس كما يعتقد البعض بأنه سُمّي بذلك لاحتوائه على عشرة أصناف من المكونات.

ويُعد يوم عاشوراء من الأيام ذات المكانة الخاصة في التاريخ الإسلامي، إذ ارتبط بنجاة النبي موسى وقومه من فرعون، ولذلك صامه المسلمون اقتداءً بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال: "نحن أحق بموسى منهم".

بين مصر وتركيا.. جدل حول المنشأ

اختلف المؤرخون حول الأصل الحقيقي لحلوى العاشوراء، فبينما يرى كثيرون أنها انتقلت إلى مصر خلال العصر العثماني، حيث كانت تُعرف في تركيا باسم "آشوراء" أو "حلوى نوح"، يؤكد باحثون مصريون أن جذورها أقدم من ذلك بكثير.

وتروي الأسطورة التركية أن النبي نوح عليه السلام صنع هذه الحلوى لأول مرة بعد انحسار مياه الطوفان، عندما جمع ما تبقى من الحبوب والبقول والفواكه المجففة على متن السفينة وطهاها في وجبة واحدة، لتصبح رمزًا للنجاة والتعايش والوفرة.

ولا تزال الحلوى التركية تُحضّر حتى اليوم من القمح والحمص والفاصوليا والمكسرات والفواكه المجففة، وتُوزع على الأقارب والجيران باعتبارها رسالة للمحبة والسلام.

جذور فرعونية عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام

في المقابل، يذهب خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى أن الاحتفال بعاشوراء في مصر يسبق العصر الإسلامي بقرون طويلة، مؤكدًا أن المصريين القدماء عرفوا هذا التقليد منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.

ويشير ريحان إلى أن المصري القديم كان يحتفل بعيد يعرف بـ"طرح بذور القمح المقدس" في اليوم العاشر من شهر "نوبي" أو "طوبة"، ضمن أعياد مدينة منف الدينية خلال فصل البذر، حيث كانت تُعد أطعمة خاصة من القمح لا تختلف كثيرًا عن طبق العاشوراء الحالي.

وكانت البليلة تُطهى في أوانٍ مخصصة، فيما يُصنع كعك خاص من القمح وعسل النحل على هيئة سنابل القمح، في مشهد يعكس ارتباط المصري القديم بالزراعة وقدسية الحبوب.

من اليهودية إلى الإسلام

ويرى عدد من الباحثين أن يوم عاشوراء ارتبط أيضًا بالتقاليد اليهودية، إذ وافق يوم "الكيبور" الذي صامه بنو إسرائيل تكفيرًا عن خطيئة عبادة العجل بعد عودة النبي موسى من طور سيناء.

ومع ظهور الإسلام، حافظ المسلمون على صيام هذا اليوم اقتداءً بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليكتسب عاشوراء بُعدًا دينيًا جديدًا داخل الثقافة الإسلامية.

أما لدى الشيعة، فقد ارتبط اليوم بذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي في معركة كربلاء عام 61 هجريًا، ولذلك يُنظر إليه باعتباره يوم حزن وعزاء، وتُقام خلاله مراسم خاصة تختلف من بلد إلى آخر.

عاشوراء في العصر الفاطمي

شهدت مصر الفاطمية طقوسًا مختلفة للاحتفال بعاشوراء، حيث كان اليوم يُعد مناسبة للحزن وإحياء ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه.

وكانت الأسواق تُغلق، وتتوقف الأنشطة التجارية، فيما يتجمع الناس في المساجد، وعلى رأسها الجامع الأزهر، لسماع القرآن والإنشاد الديني، وتعلو أصوات البكاء والرثاء.

كما ارتبطت المناسبة بعادات شعبية متنوعة، من بينها شراء البخور وتبخير المنازل، اعتقادًا بقدرته على دفع الحسد وجلب البركة.

الأيوبيون يغيرون ملامح الاحتفال

مع قيام الدولة الأيوبية، شهدت احتفالات عاشوراء تحولًا ملحوظًا، إذ اتجهت إلى أجواء الفرح والتوسعة على الأسر.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن صلاح الدين الأيوبي شجع على إعداد طبق العاشوراء بشكله المعروف حاليًا، ليحل محل بعض الأطعمة والطقوس المرتبطة بالعصر الفاطمي.

واستمرت هذه العادات خلال العصر المملوكي، حيث كانت تُقام الولائم وتُوزع الصدقات وتُزين الشوارع، بينما يحرص السلاطين على إقامة الاحتفالات الرسمية وتلاوة القرآن الكريم وإكرام الفقراء.

طبق يجمع الثقافات

ورغم اختلاف الروايات التاريخية حول منشأ العاشوراء، فإن المؤكد أن هذا الطبق استطاع عبور الحدود والثقافات، ليصبح حاضرًا في مصر وتركيا وبلاد الشام واليونان وغيرها من الدول.

وتتشابه بعض وصفاته مع حلوى "كوليفا" اليونانية المصنوعة من القمح والمكسرات، وإن كانت تُقدم هناك في مناسبات مرتبطة بإحياء ذكرى الموتى.

أما في مصر، فقد ارتبطت العاشوراء بالدفء الأسري والاحتفال الشعبي، حيث تُصنع من القمح واللبن والسكر، وتُزين بالمكسرات والزبيب وجوز الهند، وتُقدم ساخنة أو باردة وفقًا لتفضيلات كل أسرة.

تراث حي يستحق الحماية

ويرى متخصصون في التراث أن مظاهر الاحتفال بعاشوراء، بما تحمله من طقوس وعادات وأطعمة شعبية متوارثة، تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي غير المادي في مصر.

وبينما تتغير أشكال الاحتفال عبر الزمن، يبقى طبق العاشوراء شاهدًا على رحلة تاريخية طويلة امتدت من حضارات مصر القديمة إلى موائد المصريين اليوم، محتفظًا بمكانته كرمز للبركة والتكافل الاجتماعي وذاكرة شعب لم يتوقف عن الاحتفاء بتراثه عبر العصور.

أزمة ثقة بين واشنطن وتل أبيب.. وتمويل جديد للحرب على إيران

ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة إلى 73 ألفًا و3...