لا يمكن اعتبار الكلاسيكو بين برشلونة وريال مدريد مجرد مباراة كرة قدم عادية، فهو لقاء يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليصبح ساحة معركة للهوية والتاريخ والسياسة، حيث يلتقي اليوم الأحد الغريمان التقليديان في مواجهة جديدة ضمن منافسات الدوري الإسباني (الليجا)، ورغم المنافسة الرياضية المحتدمة، تبقى الأبعاد السياسية هي الوقود الخفي الذي أشعل نار هذا الصراع منذ عقود.

ينظر إلى ريال مدريد، ممثل العاصمة، تاريخياً على أنه رمز للسلطة المركزية والقومية الإسبانية، بينما يمثل برشلونة، النادي الكتالوني، صوت القومية الكتالونية المطالبة بالاستقلال والحفاظ على الهوية والثقافة الخاصة بالإقليم، هذه الخلفية التاريخية ليست مجرد ذكريات قديمة، بل هي جزء أصيل من هتافات الجماهير وشدة العداء بين الناديين.

يعود التعقيد السياسي في جذوره إلى فترة حكم الديكتاتور الجنرال فرانشيسكو فرانكو (1939-1975)، حيث ارتبط ريال مدريد، في نظر الكثيرين، بالنظام الحاكم الذي حاول قمع أي مظاهر للاستقلال في كتالونيا، في تلك الحقبة، كان نادي برشلونة يمثل أكثر من مجرد فريق رياضي؛ كان بمثابة المنبر الوحيد الذي سُمح فيه برفع علم كتالونيا والتحدث باللغة الكتالونية في العلن، ليصبح "أكثر من مجرد نادٍ" (Més que un club) وشعاراً للمقاومة والحرية.

ولعل أبرز الروايات التي تجسد هذا التوتر هي الأحداث التي صاحبت مباراة نصف نهائي "كأس الجنرال" عام 1943، حين فاز ريال مدريد بنتيجة 11-1 بعد أن كان برشلونة قد فاز ذهاباً 3-0، وتتحدث روايات كتالونية، لم يتم إثباتها رسمياً، عن تدخلات وضغوط سياسية وأمنية قبل المباراة أدت لانهيار لاعبي برشلونة، وهي قصة لا تزال تُذكر حتى اليوم كرمز للظلم السياسي.

لم تقتصر القصص السياسية على فترة فرانكو فحسب، بل استمرت تداعياتها حتى في العصر الحديث، ففي كل كلاسيكو، ترفع جماهير برشلونة لافتات عملاقة ورسائل سياسية تتعلق بالقضية الكتالونية، خاصة في السنوات التي تلت استفتاءات الانفصال الأخيرة. في المقابل، يرى مشجعو ريال مدريد أن هذه القضايا لا يجب أن تلوث المجال الرياضي، وأن النادي يمثل إسبانيا كلها دون تسييس.

حتى صفقات اللاعبين أخذت بعداً سياسياً، كما حدث مع انتقال الأسطورة الأرجنتينية ألفريدو دي ستيفانو في الخمسينيات، وصفقة البرتغالي لويس فيجو الصادمة من برشلونة إلى ريال مدريد في عام 2000 التي وُصفت بالخيانة وتسببت في استقباله بـ "رأس الخنزير" من قبل جماهير الكامب نو، وكلا الحادثتين شُحنتا بدلالات تتجاوز كرة القدم.

مع عودة عجلة الليغا للدوران، تتجدد المنافسة الرياضية والسياسية اليوم الأحد في الكلاسيكو، بغض النظر عن النتيجة، سيبقى هذا اللقاء أكثر من مجرد 90 دقيقة؛ إنه مرآة تعكس صراع الهوية الإسبانية بين القومية المركزية والطموح الكتالوني، ويؤكد أن كرة القدم في إسبانيا، وفي الكلاسيكو على وجه الخصوص، مرتبطة بشكل لا ينفصم بتاريخها السياسي.