يُعد ديربي شمال لندن بين توتنهام هوتسبير وغريمه اللدود آرسنال هو أحد أكثر مباريات كرة القدم حماسة وشراسة في العالم، ورغم أن أساس هذا العداء هو جغرافي خالص - نشأ عام 1913 مع انتقال آرسنال من جنوب لندن إلى منطقة هايبري في شمال لندن، ليصبح جارًا مباشرًا لتوتنهام - إلا أن هذا التنافس قد اكتسب على مر العقود طبقات عميقة.
نشأ نادي توتنهام هوتسبير في منطقة شمال شرق لندن (حول توتنهام ووايت هارت لين)، وهي المناطق التي استقبلت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أعدادًا كبيرة من المهاجرين اليهود الفارين من الاضطهاد في أوروبا الشرقية.
سكنت هذه الجالية اليهودية المنطقة التي تأسس فيها النادي، ومع مرور الوقت، أصبح العديد من مشجعي النادي ولاعبيه وإدارييه من اليهود، وقد تولى رئاسة النادي شخصيات يهودية بارزة مثل آلان شوجر، والرئيس الحالي دانيال ليفي.
نتيجة لهذا الارتباط، أطلقت الجماهير المنافسة (وأبرزها جماهير آرسنال) لقب "الييدز" (Yids)، وهي كلمة مشتقة من مصطلح "يهودي" (Yiddish)، كـ هتاف معادٍ للسامية ومسيء لمشجعي توتنهام.
في محاولة لـ "إعادة امتلاك" اللقب وتحويل الإساءة إلى مصدر قوة وفخر، تبنت جماهير توتنهام نفسها هتافات "الييدز" و"جيش الييد" (Yid Army) كجزء من هويتهم التشجيعية، مما أدى إلى نقاشات واسعة حول شرعية استخدام اللقب وإزالة دلالته العنصرية.
البعد السياسي لحرب الهتافات أخذ الصراع في المدرجات أحيانًا منحنى سياسيًا خطيرًا، خاصة خلال مواجهات ديربي شمال لندن فسجلت تقارير عديدة قيام بعض جماهير آرسنال (أو جماهير أندية أخرى) بإطلاق هتافات معادية للسامية ضد مشجعي توتنهام، بل وصل الأمر في مناسبات إلى إصدار أصوات "تششش" محاكاة لغرف الغاز، في إشارة إلى المحرقة النازية.. هذا السلوك يعكس كيف يمكن للخلفيات الهوياتية أن تتحول إلى سلاح سياسي أسود في ملاعب كرة القدم. 2.
أطلق نادي توتنهام هوتسبير نفسه حملات متعددة لمطالبة الجماهير بوقف استخدام لقب "الييد" كليًا، حتى من قبل مشجعيه، لتجنب تأجيج معاداة السامية ولإزالة أي مبرر لاستخدامه كسلاح من قبل المنافسين.
ديربي شمال لندن يمثل نموذجًا معقدًا لكيفية تداخل الجغرافيا، والتاريخ الاجتماعي، والسياسة في الرياضة، رغم أن النقطة المحورية في العداء ظلت دائمًا هي انتقال آرسنال عام 1913، فإن الجذور اليهودية العميقة لتوتنهام، وما تلاها من هتافات معادية للسامية، حولت "الديربي" من مجرد صراع رياضي على زعامة الجيرة إلى ساحة لمعركة هوياتية اجتماعية وقضية سياسية حساسة داخل المجتمع البريطاني.
