بينما يرتفع علم بلجيكا بألوانه الثلاثة (الأسود والأصفر والأحمر) فوق منصات التتويج الرياضية، تختبئ خلفه خارطة سياسية معقدة وممزقة بين لغتين وثقافتين.

في بلجيكا، ليست الرياضة مجرد "لعبة"، بل هي الخيط الرفيع الذي يمنع عقد الدولة من الانفراط، والساحة التي تتقاطع فيها طموحات الوحدة الوطنية مع صراعات الانفصال اللغوي والإقليمي. 

تعيش بلجيكا حالة فريدة من "السريالية السياسية"؛ فهي دولة فيدرالية مقسمة بوضوح بين إقليم "فلاندرز" الناطق بالهولندية في الشمال، وإقليم "والونيا" الناطق بالفرنسية في الجنوب، هذا الانقسام ليس إدارياً فحسب، بل يمتد ليشمل الصحف، القنوات التلفزيونية، وحتى الأحزاب السياسية التي لا توجد منها نسخة وطنية واحدة تجمع الطرفين. ​

وسط هذا التشرذم، يبرز المنتخب الوطني لكرة القدم، الملقب بـ "الشياطين الحمر"، كالمؤسسة الوطنية الوحيدة التي لا تزال تجمع البلجيكيين تحت راية واحدة، عندما يسجل "كيفن دي بروين" (الفلامنكي) هدفاً من تمريرة لـ "روميلو لوكاكو" (المولود في أنتويرب لأصول مهاجرة)، يهتف الجمهور في بروكسل ونامور وأنتويرب بصوت واحد، متناسين للحظات أن حكومتهم قد تستغرق عامين كاملين لتتشكل بسبب الخلافات اللغوية.

​تدرك السلطات البلجيكية أن الرياضة هي "الغراء" الذي يبقي أطراف الدولة متماسكة، خلال مونديال 2014 و2018، تحولت ساحات المدن إلى بؤر للاحتفال الوطني، وصرح السياسيون حينها بأن "المنتخب يفعل في 90 دقيقة ما لا نستطيع فعله في سنوات من التفاوض".

ومع ذلك، لم تسلم الرياضة من رياح الانفصال ففي فترات تراجع مستوى المنتخب، تظهر أصوات من اليمين القومي في فلاندرز تطالب بإنشاء منتخب خاص بالإقليم، على غرار اسكتلندا وويلز في بريطانيا، بل إن توزيع الميزانيات الرياضية يخضع لمساومات سياسية معقدة بين الأقاليم، حيث يتم تقاسم التمويل بدقة "ميزان الذهب" لضمان عدم شعور طرف بالظلم تجاه الآخر. ​

تداخل السياسة في الرياضة البلجيكية لا يتوقف عند الصراع (الفرنكوفوني - الفلامنكي)، بل يمتد لملف الهجرة، حيث يمثل المنتخب الحالي نموذجاً لبلجيكا "الجديدة" المتعددة الثقافات، وهو ما يثير حفيظة التيارات اليمينية المتطرفة التي ترى في هذا التنوع تهديداً للهوية التقليدية. ​

​تبقى بلجيكا نموذجاً حياً لكيفية تحول الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى ضرورة سياسية للبقاء، "تسييس" الرياضة هنا لا يعني بالضرورة التدلع الفج، بل يعني استخدام الكرة كأداة للدبلوماسية الداخلية وترميم الهوية الوطنية المتهالكة.