قال د. محمد محسن أبو النور، الخبير في الشؤون الإيرانية والتحليل الدولي، إن الاحتجاجات الحالية التي تشهدها إيران ليست مجرد رد فعل عابر أو احتجاج اقتصادي عادي، بل تعكس عمق أزمة متعددة الأبعاد تمزج بين الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وأضاف أبو النور أن الانطلاق الأولي للاحتجاجات كان من نطاق السوق والبازار، الذي كان تاريخيًا منطلقًا للاغتراب الشعبي في الفترات الماضية، لكنه في هذه الموجة امتد ليشمل فئات واسعة من المجتمع الإيراني بما في ذلك الشباب والطبقات العاملة والكثير من المدن خارج العاصمة، مما يدل على تغير نوعي في طبيعة الحركة الاحتجاجية، وأنها لم تعد مقتصرة على مطالب معيشية فحسب، بل تحمل دلالات أعمق على ضعف الشرعية الشعبية للنظام في بعض المناطق.
وأوضح أبو النور أنه على الرغم من أن السلطة الإيرانية تمتلك خبرة طويلة في احتواء التوترات الداخلية كما ظهر في احتجاجات سابقة، فإن الخطاب الرسمي الحالي الذي يرى في الاحتجاجات مخططًا خارجيًا، هو في الحقيقة محاولة لتعزيز رواية الأعداء، بدلًا من التعامل مع المطالب الشعبية الحقيقية في تحسين الأوضاع الاقتصادية. وأضاف أن التحول من احتجاجات اقتصادية إلى احتجاجات سياسية ممزوجة بطابع اجتماعي أوسع يزيد من تعقيد الموقف ويضع النظام أمام اختبار جديد، وهو اختبار يقيس قدرة السلطة على الاحتواء دون تراجع سياسي كبير.
وأشار أبو النور إلى أن أولوية النظام في المرحلة الحالية تبدو في الحفاظ على استقرار بنيته الأيديولوجية والسياسية، والحد من التصعيد الذي قد يفتح المجال أمام مطالب أكثر جوهرية تتخطى الإصلاحات الاقتصادية إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، مؤكدًا أن السياق الاقتصادي الذي يشمل انخفاض قيمة العملة وارتفاع التضخم قد يكون أحد محفزات التصعيد الشعبي، لكنه ليس السبب الوحيد، بل هناك قطاعات من الشباب والفئات الوسطى غير مرتبطة فقط بالضغوط المعيشية تقود هذه الحركة، ما يعني أن الأزمة تجاوزت حدودها الاقتصادية إلى بعد سياسي أعمق.
وأضاف الخبير أن ما يحدث الآن في إيران يمثل لحظة فارقة في تاريخ التجربة السياسية للبلاد، مؤكدًا أن الخطاب الرسمي الذي يربط الاحتجاجات بدعوات خارجية يضعف إمكانيات الحوار الداخلي ويزيد من احتمالات الاحتكاك بين السلطة والمجتمع لو لم يتم توسيع مساحة الاستجابة لمطالب المواطنين بطريقة عملية
