دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، السبت، الكنائس والمؤسسات الكنسية في القدس الشرقية المحتلة إلى عدم القبول بالإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى فرض ضريبة الأملاك البلدية المعروفة بـ"الأرنونا"، محذرًا من أن هذه الخطوة تستهدف الوجود المسيحي في المدينة، وتمثل مساسًا بوضعها القانوني والتاريخي.

وتُعد "الأرنونا" ضريبة بلدية إسرائيلية تُفرض على العقارات والمنشآت، ويتم احتسابها وفق مساحة العقار وموقعه وطبيعة استخدامه، ويطلق عليها المقدسيون أيضًا اسم "ضريبة المساحة"، باعتبارها واحدة من أبرز الأعباء المالية التي تفرضها سلطات الاحتلال على سكان القدس الشرقية.

رسائل إلى البابا وقادة دول والمنظمات الدولية

وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" بأن الرئيس محمود عباس بعث رسائل إلى البابا ليو الرابع عشر، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى جانب عدد من قادة الدول الأوروبية، تناولت مستجدات الأوضاع في القدس والانتهاكات الإسرائيلية بحق الكنائس والمؤسسات الدينية.

وحذر عباس، في رسائله، من محاولات بلدية القدس الإسرائيلية فرض ضريبة "الأرنونا" على الكنائس، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل "انتهاكًا صارخًا وغير مسبوق" للوضع القانوني والتاريخي القائم في المدينة، واستهدافًا مباشرًا للوجود المسيحي والمؤسسات الدينية فيها.

تأكيد على الوضع القانوني للقدس الشرقية

وأكد الرئيس الفلسطيني أن المجتمع الدولي يعترف بالقدس الشرقية باعتبارها جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، مشيرًا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي التي اعتبرت جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير طابع المدينة أو وضعها القانوني باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.

وشدد عباس على أن الإجراءات الإسرائيلية لا تمنح سلطات الاحتلال أي سيادة أو ولاية قانونية أو قضائية على القدس الشرقية، أو على المؤسسات الدينية والأوقاف الإسلامية والمسيحية الموجودة فيها.

تحذير من أي ترتيبات مع سلطات الاحتلال

وقال عباس في رسالته: "ندعو الكنائس إلى عدم القبول بهذه الإجراءات الأحادية أو الدخول في أي ترتيبات مع سلطات الاحتلال بشأنها، لما يترتب على ذلك من مخاطر تمس بالمركز القانوني للمدينة وتهدد الاتفاقيات الثنائية القائمة".

وجدد الرئيس الفلسطيني تأكيده أن إقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تمثل السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة.

إشادة بالدور الأردني ومواقف الفاتيكان

وفي رسالته إلى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أعرب عباس عن تقديره للمواقف الأردنية الداعمة للقضية الفلسطينية، مثمنًا الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

كما أشاد، في رسالته إلى البابا ليو الرابع عشر، بمواقف الكرسي الرسولي الداعمة للسلام، واعترافه بدولة فلسطين، وحرصه على حماية حقوق كنائس القدس والحفاظ على وضعها التاريخي.

ودعا الرئيس الفلسطيني قادة الدول والأمم المتحدة إلى مواصلة الاتصالات والجهود الرامية إلى وقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، والعمل على حماية التراث الديني والثقافي في الأرض المقدسة، وصون الوجود المسيحي في القدس.

لماذا تثير ضريبة "الأرنونا" كل هذا الجدل؟

تكتسب ضريبة "الأرنونا" حساسية خاصة لأن الكنائس في القدس تمتعت تاريخيًا، في إطار ما يُعرف بـ"الوضع القائم"، بإعفاءات أو ترتيبات خاصة تتعلق بأملاكها الدينية والخدمية، بما يشمل دور العبادة، والمدارس، والمستشفيات، والمؤسسات الخيرية التابعة لها.

وتؤكد بلدية القدس الإسرائيلية أن الضريبة تستهدف العقارات التي لا تُستخدم بصورة مباشرة لأغراض العبادة، مثل العقارات التجارية والمكاتب والمنشآت المدرة للدخل، في حين ترى الكنائس أن توسيع نطاق الجباية أو المطالبة بمبالغ متراكمة يمثل خرقًا للترتيبات التاريخية، ويهدد قدرتها على تمويل خدماتها الدينية والاجتماعية.

أبعاد قانونية وسياسية للخلاف

ولا يقتصر الخلاف على الجانب المالي، إذ تعتبر الكنائس والفلسطينيون في القدس الشرقية أن الخضوع لإجراءات بلدية الاحتلال أو إبرام أي ترتيبات معها بشأن الأملاك الكنسية قد يمس بالمركز القانوني للمدينة المحتلة، وقد يُفسر باعتباره قبولًا بالولاية الإسرائيلية عليها.

أزمة متجددة منذ عام 2018

وتعود جذور الأزمة إلى فبراير 2018، عندما أعلنت بلدية القدس نيتها جباية مئات ملايين الشواكل كضرائب متأخرة على مئات العقارات التابعة للكنائس، وهو ما دفع رؤساء الكنائس إلى إغلاق كنيسة القيامة لمدة ثلاثة أيام احتجاجًا، قبل أن تتراجع إسرائيل عن الإجراء مؤقتًا وتُشكل لجنة لبحث الملف.

لكن القضية عادت إلى الواجهة خلال السنوات اللاحقة مع تجدد مطالبات السلطات المحلية الإسرائيلية للكنائس بدفع ضريبة "الأرنونا"، وسط تحذيرات كنسية من أن استمرار هذه الإجراءات قد يهدد عمل المؤسسات التعليمية والصحية والخيرية التابعة لها، ويزيد الضغوط على الوجود المسيحي في القدس.

ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة إلى 73 ألفًا و3...

قطر وأمريكا ولبنان يناقشون تعزيز الاستقرار الإقليمي خلال قمة...