في تطورٍ يُعد من أخطر المنعطفات في الحرب السودانية المستمرة منذ أكثر من عام ونصف، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصارٍ دام أكثر من 18 شهرًا، لتُسقط آخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع.
هذا التحول لا يمثل مجرد انتصارٍ ميداني، بل يكشف عن تبدّل عميق في موازين القوى داخل السودان، وسط تصاعد الانقسامات الداخلية وتزايد المخاوف من تفكك الدولة واتساع رقعة النزاع نحو ولايات أخرى مثل كردفان.
ومع استمرار التقارير حول مجازر وانقطاع الإمدادات الغذائية والطبية، حذّرت منظمات إنسانية من كارثة وشيكة في المدينة التي باتت معزولة تمامًا عن العالم الخارجي.
في هذا السياق، حذر عدد من الخبراء والدبلوماسيين من تداعيات سقوط الفاشر، مؤكدين أن ما يجري يتجاوز كونه صراعًا داخليًا إلى كونه تهديدًا مباشرًا لاستقرار الإقليم والأمن القومي المصري.
تحذيرات عسكرية من مخاطر التقسيم
وأكد اللواء شبل عبد الجواد، رئيس قطاع مكافحة الإرهاب بالمنظمة العربية الأفريقية، وقائد الشرطة العسكرية الأسبق والخبير العسكري، أن سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر لا تُعد خطوة تكتيكية، بل تمثل تحوّلاً خطيراً في مسار الحرب السودانية، مشيراً إلى أن المدينة "سقطت بعد حصار شامل دام لأشهر، شهد قطع الكهرباء والمياه والإمدادات الحيوية، وارتكاب مجازر مروعة ضد المدنيين".
وقال عبد الجواد إن قوات الدعم السريع التي أنشأها الرئيس السابق عمر البشير "تحولت إلى ميليشيا مرتزقة تعمل لحساب دول أجنبية"، موضحاً أن قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) "يحظى بدعم مباشر من دول تسعى للهيمنة على ثروات دارفور الغنية بالذهب واليورانيوم"، مضيفاً أن "الإمارات أبرز تلك الدول، إذ تحصل على كميات من الذهب مقابل تزويد قوات حميدتي بالطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة".
وشدد الخبير العسكري على أن "ما يجري في السودان ليس صراعاً داخلياً فحسب، بل جزء من مخطط صهيوني يستهدف الدولة المصرية عبر حدودها الجنوبية، بعد انتقال بؤر التوتر من غزة إلى السودان"، محذراً من أن "أي اقتراب من الحدود المصرية يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، وهو خط أحمر لا يمكن تجاوزه".
وطالب عبد الجواد المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية بـ"التحرك العاجل لإنقاذ السودان من التقسيم"، مشيراً إلى أن "الجيش السوداني يواجه حرب استنزاف قاسية وسط صمت دولي مريب"، داعياً في الوقت ذاته الشعب السوداني إلى "الالتفاف حول جيشه الوطني بقيادة عبد الفتاح البرهان لمواجهة جرائم الميليشيات".
واختتم تصريحاته قائلاً: "من يقترب من حدود مصر سيكون مصيره النهاية، فالأمن القومي المصري غير قابل للمساس، ومصر ستظل داعمة لوحدة السودان واستقراره بكل ما تملك من إمكانات دبلوماسية وسياسية".
رؤية دبلوماسية: القبلية تهدد وحدة السودان
ومن جانبه، قال السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن ما تشهده السودان من أحداث مأساوية في إقليم دارفور والفاشر يأتي نتيجة لآفة قديمة متجذرة في القارة الأفريقية، وهي القبلية، مؤكدًا أن ولاء الكثير من أبناء القارة ما زال للقبيلة وليس للدولة.
وأوضح «بيومي» في تصريحات خاصة لموقع «خمسة سياسة» أن هذه النزعة القبلية كانت أحد الأسباب الرئيسية في انفصال السودان عن مصر، ثم انقسام السودان نفسه لاحقًا إلى دولتين، مشيرًا إلى أن الانقسام القبلي والعائلي بين المهدي والمرغني وغيرهما جعل البلاد عرضة للتفتت المستمر.
وأضاف مساعد وزير الخارجية الأسبق أن السودان الشمالي والجنوبي كليهما معرضان لمزيد من الانقسامات، قائلًا: «للأسف الشديد، الجيش السوداني نفسه انقسم على روحه بين قوات مسلحة وقوات الدعم السريع، وكأنهم عملوا قبيلة جوه القبيلة».
وأكد السفير جمال بيومي أن موقف المجتمع الدولي يشوبه الانقسام، إذ تدعم بعض الدول أطرافًا بعينها داخل الصراع، في حين أن المساعدة الحقيقية – بحسب تعبيره – يجب أن تكون «من أجل الوحدة الوطنية السودانية فقط».
وعن احتمالات التدخل الدولي أو الإقليمي، قال بيومي إن التدخل المباشر غير مطروح في ظل الحرب الداخلية، لكنه شدد على أن مصر تمتلك علاقات طيبة مع جميع الأطراف السودانية، ما يجعلها «الأكثر قدرة على تقديم النصح والمشورة والعمل على استعادة وحدة السودان».
وأشار إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ستؤدي إلى مزيد من الانقسام والنزوح، موضحًا أن مصر تستضيف حاليًا نحو خمسة ملايين لاجئ سوداني، بعضهم أثرياء وآخرون يعانون من أوضاع صعبة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن مصر «ترحب بهم باعتبارهم أشقاء وأبناء بلد واحد».
وتابع بيومي أن احتمال تقسيم السودان مجددًا قائم، إلا أن الأمل ما زال في «عقلاء الأمة الذين يستطيعون تجاوز الانتماءات القبلية والعائلية»، لافتًا إلى أن الدور الإنساني المطلوب حاليًا هو «توفير الغذاء والكساء وتخفيف معاناة المدنيين».
وختم مساعد وزير الخارجية الأسبق تصريحاته بالتأكيد على أن الأحداث الحالية في السودان تمثل ضغطًا مباشرًا على الأمن القومي المصري، وأن مصر «لن تتخلى عن دعم واستقرار السودان، باعتباره جزءًا من نسيجها التاريخي»، مشددًا على أن القاهرة «من أكثر الدول تأثيرًا على كافة الأطراف السودانية».
